
ترك برس
بين دروس التاريخ وتحولات الحاضر، تبرز ملامح معادلة إقليمية جديدة تتشكل حول تركيا والسعودية وباكستان، في وقت تتسارع فيه صراعات النفوذ وتزداد الحاجة إلى ترتيبات ردع وأمن تنطلق من داخل المنطقة لا من خارجها.
وفي هذا الإطار، قال الإعلامي محمد التميمي: استعارت العرب كلمة "العظيم" لكل كبير، محسوسا كان أو معقولا، عينا كان أو معنى، وعظيم في اللغة صيغة مبالغة على وزن (فعيل)، وتعني اتصاف الشيء بالكبر والقوة المادية أو المعنوية، واسم (العظيم) هو من أسماء الله الحسنى، ومعناه أن الله تعالى ذو جلال وعظمة في شأنه وملكه وسلطانه، وقد وصف الله سبحانه يوم القيامة في كتابه العزيز: {عم يتساءلون • عن النبأ العظيم}، ومنه قول المتنبي:
وأضاف في مقال له: وتعظم في عين الصغير صغارها .. وتصغر في عين العظيم العظائم.
وفيما يلي تتمة المقال الذي نشره موقع "الجزيرة نت":
وإذا كانت القدرة والاستطاعة في زماننا هذا صغيرة، والتحديات جمة وخطيرة، والمؤامرات تترى، مقارنة وتفاعلا بالجهة المقابلة منها، فإن أي تحرك مضاد أو مواز بمشروع سياسي وإستراتيجي يخدم المصلحة العامة لهذه الجغرافية المتناحرة فيما بينها يستحق أن يوصف بالعظم الذي يرجى الأمل منه، وهنا بيت القصيد.
"لقد أرسل الله جميع الأنبياء إلى الشرق الأوسط، ولم يرسلهم إلى الكاريبي، ولا أمريكا الجنوبية، ولا أمريكا الشمالية، ولا أستراليا، ولا الصين، بل إلى هذا المكان الذي تبدو مشكلاته عصية على الحل.. وإذا كان الله لا يستطيع حلها، وإذا كان الأنبياء لم يستطيعوا حلها، فإن فكرة أن نتمكن نحن من حلها خلال العام ونصف العام المقبلين تبدو احتمالاتها ضئيلة على الأرجح!"
كم هي المنطقة عصية على الفهم والحل، كما عبر عنها (توم براك)، مبعوث الرئيس الأمريكي (ترامب) "للشرق الأوسط" وسفير بلاده في (تركيا). وبعيدا عن لغة الرجل كما هي عند من بعثه؛ أين تكمن المشكلة بالضبط؟ ثم لماذا يريد الغرب أن يتصدر المشهد في حل مشاكلنا؟ وهل نحن فعلا بحاجة لذلك؟! الحقيقة أن فصلا جديدا من تاريخنا يكتب الآن، وعالم مختلف بدأ مع هذا العام، فإلى أين تذهب العيون والآمال؟! لنلق نظرة فاحصة على صفحة من ماضينا ليتضح المقال.
في عام 1454م أعطى (البابا نيقولا الخامس) للبرتغاليين براءة تجعل (سبتة)، بعد احتلالها، والممتلكات الأخرى في غرب أفريقيا من نصيب التاج البرتغالي، وحث البابا البرتغاليين والإسبان على عدم التواني عن حرب المسلمين، فما لبثت، بعد هذه "البراءة"، معظم سواحل المغرب الشمالية والغربية ومدنه وموانئه وحصونه إلا وهي واقعة تحت الاحتلالين البرتغالي والإسباني، في سنوات كانت البلاد تتعرض فيها لفتن ومصاعب داخلية لا تكاد تنتهي.
قاوم (السعديون) الجدد النفوذ البرتغالي، واستعادوا بعض حصونهم وموانئهم الشمالية مثل "سانتا كلوز"، عبر مد ذراعيهم للعثمانيين الأتراك، جيرانهم في (الجزائر)، للتعاون ضد الإسبان والبرتغال، ثم تمكنوا من استعادة مدينتي (أصيلة والقصر الكبير)، ووحدوا أجزاء واسعة من المغرب الأقصى، حتى إنهم سيطروا على مدينة (تلمسان) من الأتراك، لتكون البداية الأخطر للخلاف التركي المغربي.
بدأت خطورتها حين فهم السعديون، بعد مدة، أن للعثمانيين "مطامع" في التوسع على حسابهم، فلجؤوا إلى علاقات سياسية متوازنة مع الإسبان والبرتغال والإنجليز من جانب، ومع العثمانيين من جانب آخر، حتى تولى (محمد المتوكل على الله السعدي)، وكان ذلك بداية لدخول المغرب إلى مرحلة حاسمة من تاريخه. فكان (المتوكل على الله) قد اتخذ إستراتيجية التقرب من الدول المسيحية ومسالمتها لصد خطر العثمانيين، بمن فيهم الإنجليز الذين أرادوا توسيع دورهم التجاري مع المغرب.
الأمر الذي استثار حمية أعمامه -السعديين أيضا- (عبد الملك وأحمد المنصور وعبد المؤمن)، ودفعهم إلى الاتصال بالأتراك العثمانيين وحثهم على إزاحة هذا السلطان، وقد علموا أن (أتراك الجزائر وولاتها العثمانيين) عقدوا العزم على الانتقام من (المتوكل) لتحالفه العلني مع الأوروبيين ضدهم.
خاض (المتوكل) -بعد خلعه- ضد أعمامه 24 معركة خلال سنتين، انهزم فيها جميعا، لينتقل بعد ذلك لاجئا إلى مدينة (طنجة)، التي كانت خاضعة للاحتلال البرتغالي من قبل تلك الأحداث بنصف قرن تقريبا، وطلب العون منهم، ليختم تحالفه مع الأوروبيين بالوقوع في فخ "الخيانة"، كما وصفه التاريخ؛ حيث اشترط عليه البرتغاليون التنازل عن مدن الساحل المغربي كلها بعد استعادته لعرشه، وقبل هو بذلك.
تحركت القوات البرتغالية بقيادة الملك (دون سباستيان) أو (سباستيان الأول)، واحتلت مدينة (أصيلة) بعدما سلمها (المتوكل) لهم على "طبق من ذهب"، وقاد الملك البرتغالي قوات جرارة اختلفت المصادر التاريخية في ذكرها: ما بين 150 ألف مقاتل و80 ألفا، وأرسى جميع أسطوله بالمدينة الساحلية التي اتخذها للانطلاق لغزو كل (المغرب)، بالإضافة إلى قوات (المتوكل) التي كانت تقدر بنحو 500 فارس فقط.
التحم الجانبان في (وادي المخازن)، بعد عبور البرتغاليين نهره، جنوب مدينة "القصر الكبير" أو "قصر كتامة" شمال المغرب، في 30 جمادى الآخرة 986هـ/4 أغسطس/آب 1578م، وكان عم (المتوكل)، السلطان (المعتصم عبد الملك)، قد اشتد به المرض ليلة المعركة، وفي صبيحتها أمر فرقة من قواته بهدم قنطرة نهر وادي المخازن حتى لا يجد البرتغاليون طريقا للرجعة، وكان هذا آخر أمر له.
بعد ملحمة قوية، وبمساعدة سخية من العثمانيين الذين جاؤوا بخمسة آلاف مقاتل تركي من الجزائر، انتصرت قوات المسلمين على البرتغاليين وحليفهم (السلطان المخلوع المتوكل على الله)، بل قتل (دون سباستيان) في قلب المعركة، وحاول (المتوكل) الهرب، لكنه غرق في نهر "وادي المخازن"، وكان السلطان (المعتصم) قد مات في اليوم ذاته، فسميت المعركة بموت ثلاثة من كبارها: "معركة الملوك الثلاثة".
يا لهذه النهاية، وكيف قضى هؤلاء الملوك الثلاثة، وإلى أي مدى نأخذ منها العبرة؟!
عثر على جثة المتوكل طافية عند نهر "وادي المخازن"، فأمر بسلخها وحشوها تبنا وإرسالها إلى (مراكش) وغيرها لتكون للناس "عبرة" جراء خيانته وتحالفه مع أعداء وطنه ودينه، فسمي من يومئذ بالسلطان "المسلوخ".
وهل أشبه من اليوم إلا البارحة! -دون تخصيص أو تلميح- وإذا كان لا بد أن نترك البارحة ونرى ماذا يحدث اليوم، فما هو؟
المنطقة كلها، ومنطقتنا على وجه الخصوص -دون استبعاد للصين وروسيا- ترزح بين نارين: نار غربية معروفة أطرافها، ونار جار فارسي معروف تاريخه ومطامحه، وهو الذي يصر على "الخليج الفارسي"، ومع الإمكانات التي حبا الله بها هذه البقعة الجغرافية الواسعة، كيف السبيل إلى نجاتنا من هذا الوضع القائم؟
لطالما تحدث "الأزرق" علانية عن مواجهة مشروعين في المنطقة: أحدهما "الإيراني الشيعي المنهار"، والآخر "المشروع التركي السني الذي يتشكل"، والموصوف من طرفه، لأهداف أخرى، بـ"مشروع الإخوان المسلمين".
"إن منطقة الشرق الأوسط برمتها تدفع ثمن السياسات العدوانية التي تنتهجها (إسرائيل)، وإن تركيا "دولة عظمى" ولن تخضع لأي طرف أو دولة صغيرة أنشئت في المنطقة، وأحذر من محاولات الاستفزاز، وأدعو إلى قراءة التاريخ جيدا".
بهذا يصرح الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان)، بعد أيام قليلة من توقيع "حلف مكة الثلاثي" الذي ضم (السعودية وباكستان)، ومع كثرة الاتفاقيات الموقعة على الورق؛ ما هي الأهمية لهذه الاتفاقية بالتحديد في تغيير مجرى عالمنا الجديد الآن؟
يحث (الأتراك) الدول العربية والإسلامية الأخرى على الانضمام إلى الحلف، ويصرح وزير خارجيتهم (هاكان فيدان)، فيقول: "سنرى أن هذا الحلف سيؤدي إلى تكريس قدر أكبر من الاستقرار في المنطقة، وستتراجع حالة عدم اليقين، وستصبح مواقف الأطراف أكثر وضوحا"، ويضيف: "أساس الاتفاقية تولي دول المنطقة زمام مسؤولية أمنها، فمحاولات البحث عن حلول تفرض على منطقتنا من الخارج لا تقدم علاجا لمشكلاتنا، بل على العكس، تؤدي إلى دفع أثمان باهظة".
ثم يؤكد الرئيس التركي مرة أخرى أن "حلف مكة" ينص على أن أي اعتداء على أي من الدول الموقعة عليه يُعتبر اعتداء على الجميع.
كثيرة هي المشاريع التي نظر إليها الآخرون نظرة مغايرة لما رآها أصحاب هذه المشاريع أنفسهم، بل حملوها ما لا تحتمل، ولما أخذت تتجه اتجاها غير ما رآه وتوقعه الناس منها، اتهموها وشنوا هجومهم عليها، وهذه نتيجة طبيعية؛ لأن الأصل أن من بنى ذلك المشروع لم ينف أو يؤكد ما فهمه الناس، وأن من رأى وفهم من الناس لم يع الحقيقة على هيئتها.
كل من الدول الثلاث المسهمة في مشروع "الردع العظيم" لها أهدافها الخاصة بها، وإنما اتفقت فيما بينها؛ لأنه لا حل آخر غير مواجهة الحقيقة السياسية والإستراتيجية التي باتت واضحة للعيان، وهي أنه لا أحد يعبأ حقا بـ"الشرق الأوسط" ومشكلاته، وإنما بما تملكه هذه المنطقة من مصالح إستراتيجية واقتصادية "مغرية" لبناء إمبراطوريات جديدة أو حفظ سيادة منكفئة على ذاتها، وقد تجري سنة الله فيها بعد أمد ليس بالبعيد.
إن تصادم المشروع الإيراني في منطقتنا العربية مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي، الذي شهد محطات من "التخادم" في الساحة نفسها، لم يعد بالإمكان احتواؤه كذي قبل، بل لا بد أن ينتهي مشروع أمام مشروع آخر؛ لأن المصالح لم تعد كما كانت بعد الآن؛ فهذا يريدها "من نهر النيل في مصر غربا إلى نهر الفرات في العراق شرقا"، والآخر كان يريدها "هلالا شيعيا"، والحرب قائمة على أشدها حتى ينتهي أحد المشروعين، أو على الأقل يُؤجَّل أحدهما أو كلاهما، فلماذا قد تقف القوى الأخرى موقف المتفرج؟!
إن حالة "الفراغ" التي تشهدها المنطقة، لا سيما بعد تطورات هذه الحرب المشتعلة، جعلت تركيا والسعودية وباكستان تسهم في بناء مثلث يحوم حول "الشرق الأوسط"، وتوحيد كل ما تمتلكه الدول الثلاث في "ردع عظيم". إن اجتاز اختباره الأول -والذي سيأتي قريبا جدا-، فإنه سيكون بداية لتغير مختلف ترجى العظمة منه، أو على الأقل يرجى النجاة به.
(تركيا) بقاعدتها للصناعات العسكرية المتطورة المنتجة لطائرات الجيل الخامس، و(السعودية) التي تمتلك إمكانات مالية وإنفاقا دفاعيا كبيرا، و(باكستان) الموفرة عمقا بشريا وخبرة عسكرية والممتلكة قدرات نووية وما يصاحب ذلك من عامل ردع إستراتيجي، في مواجهة الخصوم أولا، ثم إعادة بناء التحالفات الجديدة التي أصبحت لزاما على الجميع في هذه "الفرصة التاريخية"، ولا استثناء لأي دولة عربية وإسلامية في تحديد موقف قد يغير من واقع هذه الأمة العظيمة.
لم يشهد (المعتصم) انتصاره على الملك البرتغالي، وابن عمه الملك المخلوع (المتوكل)، عندما حضر أجل الأول أثناء المعركة، لكن الناس شهدوا المغرب محررا، وأشهدوا التاريخ على خاتمة ملوك ثلاثة، ماتوا ثلاثة، كل بما يستحق..
يفعل الله ما يشاء، فلدينا معتبر ومعتبر به، إذ الفيصل في كل مشروع وطريق اعتباراته ومآلاته، عسى الله أن يختم بالحسن كله أو بإحدى الحسنيين.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











