
ترك برس
يرى الكاتب التركي عاكف كوتشوكال أن التصعيد في الشرق الأوسط عاد إلى الواجهة، في وقت تبدو فيه فرص السلام أو وقف إطلاق النار بعيدة، بينما تستعد إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لخوض مواجهة طويلة الأمد.
ويشير الكاتب في مقال نشره موقع «خبر7» إلى أن وسائل إعلام أمريكية قريبة من الرئيس دونالد ترامب تواصل الترويج لرواية «النصر السريع»، في حين ترسم تقارير استخباراتية أمريكية صورة مختلفة تماما عن مسار الحرب.
ويلفت كوتشوكال إلى أن بعض البرامج على شبكة «فوكس نيوز»، ومن بينها برامج جيسي واترز وفريق «فوكس آند فريندز»، تروج لفكرة أن العمليات العسكرية والحصار البحري الأمريكي ضد إيران حققا نجاحا كاملا، وأن إيران تقترب من الانهيار وأن الحرب قد حُسمت. لكنه يضع هذه الرواية في مواجهة ما نشرته «وول ستريت جورنال» من تقارير استخباراتية، تفيد، بحسب المقال، بأن مسؤولين كبارا داخل البيت الأبيض حذروا ترامب من احتمال استمرار المواجهة حتى عام 2029.
ترامب يتحدث عن نوفمبر.. ومسؤولوه عن 2029
ويشير الكاتب إلى أن ترامب قال خلال الأسبوع إن الحرب ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، مدعيا أن الولايات المتحدة لم تضرب إيران حتى الآن بالقوة اللازمة، وأن الحرب ستنتهي بعد الانتخابات. لكن، وفقا لما يورده كوتشوكال، فإن بيانات استخباراتية مسربة تشير إلى أن مسؤولين كبارا، بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، يتوقعون إمكانية استمرار الحرب مع إيران حتى نهاية ولاية ترامب، أي حتى عام 2029.
ويضيف أن فانس متهم أيضا بمحاولة إبقاء هذه التقييمات العسكرية السلبية بعيدا عن الرأي العام، حتى لا تتعارض مع خطاب ترامب القائم على تحقيق «نصر سريع». ويقر الكاتب بأن الحديث عن مثل هذه الصورة قبل الانتخابات يتطلب شجاعة سياسية، لأن خطاب الانتصار يمكن أن يحمل، في نهاية المطاف، إمكانية تحقيق مكاسب انتخابية.
القواعد الأمريكية والقوات البحرية تحت الضغط
ولفهم الوضع الميداني بصورة أوضح، يتوقف الكاتب عند الضربات الإيرانية التي طالت المنشآت الأمريكية في المنطقة. ويشير إلى أن القاعدة الأمريكية في البحرين تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة إيرانية، مستشهدا بتصريح للقائم بأعمال وزير البحرية الأمريكي هونغ كاو، قال فيه إن البحرين «دُمرت بالكامل».
ويقول كوتشوكال إن الأمر لا يقتصر على التصريحات، إذ شكلت البحرية الأمريكية قوة مهام خاصة لدراسة مستقبل القاعدة، وما إذا كان بالإمكان إصلاحها وإعادة استخدامها، وما إذا كانت القوات الأمريكية ستتمكن من العودة إليها. كما ينقل عن قائد العمليات البحرية الأميرال داريل كاودل قوله إن الأفراد الأمريكيين لن يتمكنوا من العودة إلى القاعدة في البحرين في وقت قريب.
ويرى الكاتب أن خروج القاعدة عن الخدمة يجعل من الصعب للغاية على مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية الموجودة في المنطقة، ومنها حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، العثور على موانئ لإعادة الإمداد. كما يشير إلى أن مستقبل مقر الأسطول الخامس الأمريكي في المنطقة بات غير واضح، في حين يرى مسؤولون عسكريون أمريكيون سابقون، بينهم المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية ديفيد بترايوس، أن القواعد البرية الأمريكية الثابتة في المنطقة لم تعد قابلة للاستمرار بسبب مدى الصواريخ الإيرانية وقدرتها على الضرب، وأن القوات الموجودة فيها تحولت إلى أهداف مكشوفة.
أما على صعيد القوات البحرية، فيرى الكاتب أن الصورة ليست أكثر تفاؤلا بالنسبة إلى واشنطن. ويقول إن إيران نفذت خلال أسبوع واحد ما لا يقل عن ثلاث هجمات صاروخية استهدفت سفنا حربية وحاملات طائرات أمريكية. وعلى الرغم من إحباط هذه الهجمات، فإن مسؤولين أمريكيين، بحسب المقال، يشعرون بالقلق من التطور الكبير في قدرة إيران على تعقب السفن الحربية المتحركة، وتحديث بيانات الاستخبارات الفضائية وتحديد الأهداف.
ويخلص كوتشوكال إلى أن إيران، رغم خوضها «مقامرة خطرة» من خلال عمليات الرد، تبدو قادرة على تحقيق نتائج. ويشير في المقابل إلى أن طهران تحتاج إلى موارد مالية وتجهيزات وخبرات تقنية وسلاسل توريد ووقت لإعادة بناء بنيتها التحتية لإنتاج الصواريخ، إلا أنها أعلنت مؤخرا أنها تمكنت من تجديد قدراتها الصاروخية، وأنها مستعدة لزيادة هجماتها على المصالح الأمريكية في المنطقة والخليج.
ويرى الكاتب أن هذه التصريحات قد تكون جزءا من الحرب الدعائية، لكنه يؤكد أن الإيرانيين يواصلون، عبر استهداف القواعد الأمريكية في دول المنطقة، إضعاف قدرات منظومة الدفاع الجوي التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل.
واشنطن أمام «مشكلة هرمز»
ويعتقد كوتشوكال أن واشنطن، بعدما عجزت عن إخضاع إيران عسكريا، تحاول منذ فترة طويلة الضغط على طهران من خلال الحصار المفروض في مضيق هرمز. ويشير إلى أن حركة السفن عبر المضيق انخفضت بنسبة 90 بالمئة، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وتكاليف التأمين.
ويضيف أن سعر خام برنت تجاوز 105 دولارات، فيما وصلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية تراوحت بين 6 و9 دولارات. ويرى أن استراتيجية إيران لا تقوم بالضرورة على هزيمة البحرية الأمريكية ميدانيا، وإنما على زيادة اضطراب الأسواق العالمية ووضع ترامب أمام خيارين صعبين: تصعيد الرد العسكري أو التراجع.
كما يقول إن إيران تسعى إلى الجمع بين الأدوات السياسية والعسكرية والجيوسياسية، بهدف جعل «تكلفة البقاء» بالنسبة إلى واشنطن أعلى من تكلفة اتخاذ قرار الانسحاب.
هل تؤتي العقوبات ثمارها؟
وينتقل الكاتب إلى الجانب الاقتصادي، مشيرا إلى أن معدل التضخم السنوي في إيران يبلغ 82 بالمئة، بينما يصل تضخم أسعار الغذاء إلى 134 بالمئة. ويقر بوجود عوامل داخلية تضغط على الحكومة الإيرانية، مثل تراجع قيمة الريال والفقر والبطالة والاستياء الشعبي، لكنه يرى أن الشعب الإيراني، الذي يعيش منذ سنوات في ظل العقوبات، لا يواجه بالضرورة تغيرا جذريا في حياته اليومية بسبب الضغوط الجديدة.
ويركز كوتشوكال على ما يصفه بفارق نفسي مهم بين المجتمعين الأمريكي والإيراني. فارتفاع أسعار الوقود بالنسبة إلى المواطن الأمريكي يمكن أن يتحول إلى وسيلة عقلانية لمعاقبة الحكومة في صناديق الاقتراع، بينما قد ينظر المواطن الإيراني، الذي عاش لسنوات تحت وطأة العقوبات ويعيش كثير منه أصلا تحت خط الفقر، إلى التدهور الاقتصادي الجديد باعتباره جزءا من مواجهة وجودية مع عدو خارجي.
ويرى الكاتب أن الألم، بالنسبة إلى مجتمع اعتاد العيش تحت الحصار لسنوات، يمكن أن يتحول من الغضب على النظام إلى الغضب على العدو الخارجي، وهو ما يعتبره أحد أسباب عدم تحقيق استراتيجية العقوبات الأمريكية النتائج المتوقعة بالسرعة التي كانت واشنطن تأملها.
وفي هذا السياق، يشير إلى أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أطلق، بتوجيه من ترامب في 24 أغسطس/آب، حملة عقوبات حملت اسم «عملية المنبوذين اقتصاديا»، لكنه يرى أن هذه الحملة لم تتمكن حتى الآن من دفع إيران إلى الانهيار. ويضيف أن عشر دول أعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون اختارت، في مواجهة العقوبات الأمريكية، توفير غطاء دبلوماسي لطهران.
هل تصبح إيران قوة نووية؟
ويتناول الكاتب في محور آخر مسألة الحد من القدرات النووية الإيرانية، وهي قضية ارتبطت منذ بداية الحرب بمسألة تغيير النظام في طهران. ويشير إلى أن الولايات المتحدة استهدفت المنشآت النووية الإيرانية بغارات جوية، لكنه يرى أن بعض الضربات ذات الطابع الاستعراضي تكشف مدى صعوبة تحقيق الهدف الأمريكي.
ويقول إن الولايات المتحدة لا تواجه مهمة اكتشاف المنشآت المدفونة تحت الجبال فحسب، بل تسعى إلى تدميرها أيضا، معتبرا أن عدم تمكن واشنطن خلال الأشهر الستة الماضية من الوصول إلى القدرات النووية الإيرانية، رغم إمكاناتها التكنولوجية، يكشف مرة أخرى عن فجوة بين تصريحات الولايات المتحدة والواقع، بحسب تقديره.
كيف ستؤثر الحرب على الانتخابات؟
ويرى كوتشوكال أن الناخب الأمريكي يعيش بين حقيقتين مختلفتين، وأن الانقسام داخل الحزب الجمهوري، ولا سيما على أساس الأجيال، يزيد من حدة هذا التناقض. فالشباب الجمهوريون، وفق الكاتب، لا يريدون رؤية الولايات المتحدة منخرطة في حرب، بينما تواصل قيادة الحزب محاولة تسويق رواية «الحرب المنتصرة» للناخبين.
ويشير إلى أن تصريحات ترامب الأخيرة التي قال فيها إنه بدأ يشعر بالتعب من السياسة اعتبرتها بعض الأوساط مجرد «مزحة»، لكنه يرى أن عددا كبيرا من المراقبين لا يعتبرونها عابرة أو عشوائية.
وبحسب الكاتب، وجد ترامب نفسه عالقا بين حرب قد تستمر حتى نهاية ولايته، وبين الصورة المتفائلة التي يقدمها لناخبيه والسيناريو القاتم الذي يرسمه مستشاروه. ويتساءل: «ربما يكون هذا هو سبب شعوره بالتعب، من يدري؟».
ويعتبر أن الحديث عن الديمقراطيين ليس ضروريا، في ظل اشتداد الاستقطاب بين مؤيدي ترامب وخصومه. ويتساءل، في ضوء استطلاعات الرأي التي تشير إلى استمرار خسارة الرئيس الأمريكي للتأييد كلما طال أمد الحرب، عما إذا كان قد بقي أمام ترامب خيار آخر غير مواجهة احتمال الخسارة في انتخابات التجديد النصفي.
وفي ختام مقاله، يرى كوتشوكال أن الخسارة الحقيقية للولايات المتحدة تمثلت، منذ البداية، في دخولها الحرب وراء إسرائيل. ويعتبر أن واشنطن، بعد أن قدمت أداء فاشلا في هذا الاختبار، باتت تواجه تساؤلات لا تتعلق بموقعها في الشرق الأوسط فحسب، وإنما أيضا بمستقبل النظام التجاري العالمي القائم على الاعتماد على الدولار.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










