ترك برس

تناول مقال للكاتب والخبير التركي إردال تاناس كاراغول، كاتب العمود في صحيفة "يني شفق"، العلاقة الوثيقة بين الطاقة والاقتصاد، مستذكرا كيف أدت أزمات الطاقة السابقة إلى تداعيات اقتصادية عميقة. 

ويشير الكاتب إلى أن أي خلل في أمن الإمدادات الطاقية لا يقتصر على رفع أسعار النفط فحسب، بل يغذي التضخم، ويبطئ النمو الاقتصادي، ويغير التوازنات الكلية للاقتصادات. ويستشهد بتجربة أزمة النفط عام 1973، حين فرضت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) حظراً نفطياً أدى إلى ظهور ظاهرة "الركود التضخمي" (ستاغفلاسيون)، أي تزامن التضخم مع الركود الاقتصادي. 

كما يتطرق إلى تأثيرات الثورة الإيرانية عام 1979 وحرب الخليج عام 1990، التي تسببت في انكماش الإمدادات وارتفاع التضخم وتباطؤ معدلات النمو. ويضيف أن أزمة الغاز الطبيعي في أوروبا عقب الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022 رفعت أسعار الطاقة وحولت التضخم إلى قضية عالمية.

يؤكد كاراغول أن هذه التجارب التاريخية توضح القوة الكامنة لأي أزمة طاقة في التأثير على المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظل ذلك، تتجه الأنظار اليوم مجدداً نحو مضيق هرمز وباب المندب بوصفهما نقطتين حرجتين قد تُفجّران أزمة طاقة جديدة. 

ويوضح أن أزمة في مضيق هرمز قد تدفع أسعار النفط بسرعة إلى مستويات ثلاثية الأرقام، مما يهدد بإشعال أزمة طاقة عالمية مباشرة، بينما تتركز مخاطر البحر الأحمر (باب المندب) أكثر على الاضطرابات اللوجستية وارتفاع التكاليف التي قد تساهم في تفاقم الضغط على الأسواق.

يُعد مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 إلى 25 في المئة من تجارة النفط البحرية العالمية ونحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، شرياناً حيوياً للصادرات من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية بشكل خاص. 

أما باب المندب، فيُشكل ممراً أساسياً للناقلات المتجهة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وقد شهد في السنوات الأخيرة اضطرابات متكررة أثرت على مسارات الشحن ورفعت تكاليف التأمين والنقل. وفي السياق الراهن، أدى تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقلبات ملحوظة في أسعار خام برنت، التي تجاوزت في فترات سابقة حاجز المئة دولار للبرميل، مما يعكس حساسية الأسواق لهذه المضائق.

يُميز كاراغول بين الأزمات السابقة والوضع الحالي. فبينما كانت الأزمات التاريخية مرتبطة في كثير من الأحيان بتوقف كامل أو شبه كامل للإنتاج، تتميز الأزمة الراهنة بكونها صدمات أسعار وتوريد ناتجة عن التوترات الجيوسياسية أكثر من انقطاع الإنتاج الكلي. 

ويشير إلى أن بقاء أسعار برنت فوق مستوى المئة دولار يمثل انعكاساً لهذه الديناميكية. وفي الوقت نفسه، يرى أن الظروف أكثر ملاءمة نسبياً اليوم بفضل ارتفاع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الإمدادات العالمية، ووجود الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط في العديد من الدول، مما يوفر هامشاً أكبر للتعامل مع الصدمات مقارنة بالعقود السابقة.

إذا استمر التوتر في البحر الأحمر لفترة طويلة، أو تحولت أزمة مضيق هرمز إلى حالة دائمة، فإن التداعيات ستطال بعمق الدول المنتجة للطاقة في المنطقة والدول المستوردة المتقدمة والنامية على حد سواء. ويشدد كاراغول على أن امتلاك الموارد الطاقية لم يعد كافياً في حد ذاته؛ فالمهم هو القدرة على نقلها بطرق آمنة واقتصادية. أما الدول المستوردة، فيصبح تسريع الاعتماد على مصادر طاقة بديلة خياراً إلزامياً لا مفر منه لضمان أمن الإمدادات واستقرار الاقتصادات.

بهذا التحليل، يضع كاراغول أمن الممرات البحرية في صلب معادلة الطاقة العالمية، داعياً إلى تعزيز القدرة على التكيف عبر تنويع المصادر والمسارات، في وقت تظل فيه التوترات في هرمز وباب المندب مصدر قلق مستمر للأسواق العالمية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!