ترك برس

في ظل السباق العالمي المحموم على التكنولوجيا المتقدمة، يتساءل الكاتب التركي محمد علي أوجار في مقاله بصحيفة "ستار" عما إذا كانت أوروبا تخسر أيضاً معركة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى تصريحات رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد خلال اجتماع "هوفبورغ في حوار" في قصر هوفبورغ التاريخي بفيينا. 

وتناولت لاغارد في كلمتها الاقتصاد الأوروبي والمرونة ومستقبل القارة، مستذكرة أزمة عام 1873 لتسليط الضوء على دروس تاريخية تنطبق على الواقع الراهن.

يعود أوجار مع لاغارد إلى نحو 150 عاماً، حين كانت فيينا مركزاً سياسياً ومالياً مهماً في أوروبا. ففي تلك الفترة، افتتحت حلقة رينغستراس عام 1865، وشهدت المدينة تغييراً سريعاً مع بناء المباني العامة وتوسيع السكك الحديدية وتأسيس البنوك والشركات. 

وكان رأس المال الأوروبي يمول التقنيات الجديدة آنذاك، حيث تدفقت استثمارات بريطانية وألمانية كبيرة إلى السكك الحديدية الأميركية. ثم جاءت أزمة 1873 التي بدأت بانهيار بورصة فيينا، وامتدت بعد أربعة أشهر إلى وول ستريت. انقضت الأزمة، لكن السكك الحديدية الأميركية بقيت، واستفاد الاقتصاد الأميركي لاحقاً من البنية التحتية التي مولها رأس المال الأوروبي.

ويرى الكاتب أن الجانب المعاصر من تذكير لاغارد بهذه الحقبة يكمن هنا: بعد نحو 150 عاماً، يتدفق رأس المال الأوروبي هذه المرة ليس إلى السكك الحديدية بل إلى الذكاء الاصطناعي، وجزء كبير من الاستثمار يتحقق مجدداً في أميركا. ففي عام 2025، طورت الولايات المتحدة 59 نموذجاً بارزاً للذكاء الاصطناعي، مقابل 35 للصين، ونموذج واحد فقط لفرنسا وآخر لبريطانيا. 

ويستحوذ الأميركيون على نحو 75% من القدرة الحاسوبية العالمية للذكاء الاصطناعي، بينما لا تتجاوز حصة أوروبا 5%. كما بلغت استثمارات الأسر في منطقة اليورو في شركات التكنولوجيا الأميركية نحو 440 مليار يورو. وتعاني قدرة مراكز البيانات الأوروبية بالفعل من صعوبة تلبية الاحتياجات، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يتسع فجوة القدرة أكثر من ستة أضعاف خلال العقد المقبل.

ويشير أوجار إلى أن أوروبا ليست غريبة على مثل هذه النقاشات. ففي عام 2000، اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي في لشبونة بهدف جعل أوروبا الاقتصاد المعرفي الأكثر تنافسية وديناميكية في العالم خلال عشر سنوات. وبعد 26 عاماً، يكفي النظر إلى الدول التي خرجت منها أكبر شركات التكنولوجيا العالمية لفهم مدى تحقق ذلك الهدف. 

وتواجه أوروبا منذ سنوات طويلة نقاشاً حول الاعتماد الدفاعي على الولايات المتحدة، حيث يعتمد جزء كبير من القدرة العسكرية الأوروبية في الناتو على القوة الأميركية. وبعد الحرب الروسية-الأوكرانية، بدأت الدول الأوروبية بزيادة الإنفاق الدفاعي بسرعة، لكن الفجوة لن تُسد في بضع سنوات. وتتشكل تبعية مشابهة في التكنولوجيا، مع تفوق أميركي واضح في نماذج الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة وأنظمة السحابة ومراكز البيانات.

أما الصين، فقد تجاوزت كونها مصنعاً كبيراً للشركات الغربية، لتصبح المنافس الأبرز للولايات المتحدة في التقنيات الاستراتيجية، من الذكاء الاصطناعي إلى السيارات الكهربائية والبطاريات والاتصالات والروبوتات الصناعية. وفي المقابل، تناقش أوروبا في السنوات الأخيرة التنظيمات أكثر مما تنتج التكنولوجيا. والتنظيم ضروري بالطبع، لكن تحديد قواعد تكنولوجيا لا تنتجها لا يجعلك قوة تكنولوجية.

وينتقل الكاتب إلى الجانب التركي من التحذير، مشيراً إلى أن نقاش الاستقلال التكنولوجي في تركيا تجاوز منذ فترة طويلة قطاع الدفاع. ويُعد "التحرك التكنولوجي الوطني" أحد أبرز الأمثلة على ذلك. ففي عام 2021، نُشرت أول استراتيجية وطنية تركية للذكاء الاصطناعي، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من أهداف "تركيا الرقمية" و"التحرك التكنولوجي الوطني". 

وكان الرئيس رجب طيب أردوغان قد لفت الانتباه آنذاك إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يحدث تأثيراً أكبر على الهيكل الاقتصادي العالمي من ثورة الإنترنت. وفي خطاب في يونيو، أكد أن القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية لا يمكن تناولها بمعزل عن السيادة الرقمية، وأن القدرة الرقمية مضاعف قوة رادع.

اليوم، يتسع البحث عن الاستقلال التكنولوجي ليشمل البرمجيات المحلية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ودراسات الليرة التركية الرقمية. ويستفيد الكاتب من تجربة تركيا في الصناعات الدفاعية خلال العشرين عاماً الماضية: فعندما قيل "يجب أن ننتج تقنيتنا بأنفسنا"، تساءل كثيرون عن التكلفة وقالوا "لماذا؟ يمكننا الشراء". 

واليوم نرى كيف أسهمت القدرات في الطائرات المسيرة وأنظمة الصواريخ في توسيع هامش الحركة في السياسة الخارجية التركية. لذا، إذا كان أحد مقاييس السيادة هو حماية الحدود بأسلحتنا الخاصة، فإن المقياس الآخر سيكون مدى قدرتنا على السيطرة على بنيتنا التحتية التكنولوجية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!