ترك برس

تدفع تركيا باتجاه اتفاق جديد بين روسيا وأوكرانيا يهدف إلى إبعاد السفن التجارية عن دائرة الحرب المتصاعدة في البحر الأسود، بعدما أرسلت أنقرة إلى موسكو وكييف مقترحا لوقف الهجمات على السفن وتأمين الملاحة، في وقت باتت فيه العمليات العسكرية تهدد واحدا من أهم الممرات البحرية لنقل الحبوب والطاقة والتجارة في المنطقة.

وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده قدمت مقترحا إلى الطرفين بشأن وقف القتال المرتبط بالملاحة في البحر الأسود، وأنها تلقت ردودا من روسيا وأوكرانيا، لكنه أقر بوجود مطالب ومواقف متباعدة تجعل الوصول إلى صيغة يتفق عليها الجانبان أمرا صعبا في المرحلة الحالية.

وقال فيدان، في تصريحات لقناة "إن تي في"، إن الأولوية التركية تتمثل في ضمان خروج الحبوب وتأمين الملاحة، موضحا أن أنقرة تواصل في الوقت نفسه تحركاتها لإنهاء الحرب بصورة أوسع، رغم أن الظروف الحالية لا تشير إلى سهولة التوصل إلى تسوية دائمة.

وتأتي الخطوة بعد أشهر من تصاعد الهجمات على السفن المدنية والتجارية في البحر الأسود. وكانت وزارة الخارجية التركية قد حذرت مطلع أغسطس/آب من امتداد الحرب بصورة متزايدة إلى المجال البحري، عقب تعرض سفينتين مملوكتين لأتراك لهجمات بطائرات مسيرة بعد مغادرتهما ميناء نوفوروسيسك الروسي، مما أدى إلى إصابة عدد من أفراد الطاقم، بينهم مواطنون أتراك. ودعت أنقرة حينها الأطراف إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان سلامة الملاحة، بحسب "الجزيرة نت".

مسودة لحماية السفن

وبحسب مصدر دبلوماسي تركي تحدث لوكالة الصحافة الفرنسية، أرسلت أنقرة إلى روسيا وأوكرانيا مسودة مذكرة تهدف إلى التوصل إلى تفاهم يمنع استهداف السفن المدنية والتجارية في البحر الأسود. وأفادت بيانات نقلتها الوكالة بأن ما لا يقل عن 25 سفينة مملوكة لجهات تركية تعرضت لهجمات منذ أواخر يونيو/حزيران، بينها سفن ترفع العلم التركي.

ويعكس التحرك حجم القلق في أنقرة من انتقال المواجهة الروسية الأوكرانية تدريجيا من استهداف البنية التحتية والموانئ إلى تهديد حركة الملاحة نفسها، خصوصا أن البحر الأسود يمثل منفذا رئيسيا لتصدير الحبوب والمنتجات الزراعية والطاقة.

وتصاعدت المخاطر إلى درجة دفعت سوق التأمين البحري في لندن خلال سبتمبر/أيلول إلى توسيع نطاق المنطقة المصنفة عالية الخطورة لتشمل أجزاء أوسع من البحر الأسود، مع ارتفاع الهجمات على الشحن التجاري وزيادة تكاليف تأمين السفن العاملة في المنطقة.

وكان فيدان قد شدد في 15 سبتمبر/أيلول على أن انتشار الحرب إلى البحر الأسود وتهديد حياة المواطنين الأتراك وأنشطة الشركات التركية "أمر غير مقبول"، مشيرا إلى أن أنقرة تعمل مع الجانبين للوصول إلى أرضية مشتركة بشأن أمن الملاحة وحماية البنية التحتية.

استلهام تجربة ممر الحبوب

ولا يبدأ المقترح التركي من الصفر، إذ يستند جزئيا إلى تجربة سابقة نجحت خلالها أنقرة في جمع موسكو وكييف حول ترتيبات بحرية محددة رغم استمرار الحرب.

ففي يوليو/تموز 2022، رعت تركيا والأمم المتحدة "مبادرة حبوب البحر الأسود"، التي أنشأت آلية تسمح بخروج الحبوب والمواد الغذائية من موانئ أوكرانية عبر البحر الأسود بصورة آمنة. كما أُنشئ مركز تنسيق مشترك في إسطنبول يضم ممثلين عن تركيا وروسيا وأوكرانيا والأمم المتحدة لمراقبة تنفيذ الاتفاق.

وتشير المعلومات بشأن المقترح التركي الجديد إلى أنه مستوحى من بعض آليات ذلك الاتفاق، ولكن مع تركيز أكبر على حماية السفن المدنية والتجارية ومنع تعرضها للهجمات.

وانتهت مبادرة الحبوب السابقة بعد انسحاب روسيا منها في 2023، لكن نجاحها في إبقاء حركة تجارية بحرية مستمرة خلال جزء من الحرب جعلها نموذجا تستند إليه أنقرة في محاولتها الحالية لإيجاد مساحة محدودة يمكن فصلها عن المواجهة العسكرية الشاملة.

مونترو.. ورقة تركية منذ بداية الحرب

وتربط أنقرة تحركها الحالي أيضا بسياسة اتبعتها منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط 2022، تقوم على محاولة منع تحول البحر الأسود إلى ساحة مواجهة بحرية أوسع.

وفي الأيام الأولى للحرب، أعلنت تركيا تفعيل المادة 19 من اتفاقية مونترو لعام 1936، وهو ما أدى إلى إغلاق المضائق التركية أمام السفن الحربية التابعة للدول المتحاربة، مع دعوة بقية الدول أيضا إلى تجنب إرسال سفن حربية عبر المضائق خلال الأزمة.

وتنظم اتفاقية مونترو حركة السفن الحربية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل. وبالنسبة إلى الدول غير المطلة على البحر الأسود، تفرض الاتفاقية قيودا على أعداد السفن وحمولتها، كما تحدد مدة بقائها في البحر الأسود بـ21 يوما، وتُلزمها بإخطار تركيا قبل المرور بـ15 يوما.

وترى أنقرة أن تطبيق الاتفاقية، إلى جانب اتفاق الحبوب والتحركات الدبلوماسية، أسهم لفترة طويلة في الحد من اتساع المواجهة البحرية، إلا أن الهجمات المتزايدة خلال الأشهر الأخيرة أعادت المخاوف من خروج الوضع عن هذا الإطار.

عقبة روسية أوكرانية

ورغم حصول تركيا على ردود من الجانبين بشأن مقترحها، أشار فيدان إلى أن المطالب الروسية والأوكرانية لا تزال متباعدة، وهو ما يعقد التوصل إلى تفاهم عملي.

وكانت أنقرة قد دعت في أغسطس/آب إلى وقف متبادل للهجمات على السفن التجارية، إلا أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اعتبر آنذاك أن الإشراف على مثل هذا الإجراء سيكون صعبا.

وفي 22 سبتمبر/أيلول، أكد الكرملين وجود اتصالات بشأن المبادرة التركية، وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف إن الموضوع طُرح كذلك في اتصالات بين الرئيسين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين.

ويضع ذلك تركيا مرة أخرى في موقع الوسيط بين طرفي الحرب، لكن هذه المرة عبر هدف أكثر محدودية من الوصول إلى اتفاق سلام شامل: منع البحر الأسود من التحول إلى جبهة مفتوحة ضد السفن التجارية، وحماية طرق الحبوب والملاحة من تداعيات حرب لا تزال فرص إنهائها بصورة كاملة محدودة في الوقت الراهن.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!