
ترك برس
من الأناشيد التي تصدح في أزقة إسطنبول إلى المواكب المزينة والأدعية الجماعية، شكّل «موكب آمين» أحد أبرز التقاليد التعليمية في العهد العثماني، حين كان التحاق الطفل بالمدرسة مناسبة اجتماعية تحتفي بها الأسرة والحي بأكمله. ورغم تراجع هذا التقليد مع تطور أنظمة التعليم، أعادت مؤسسات تعليمية تركية إحياءه في السنوات الأخيرة، بوصفه جزءًا من التراث الثقافي والتربوي للبلاد.
لم يكن اليوم الدراسي الأول في الدولة العثمانية مجرد انتقال للطفل من منزله إلى مقاعد الدراسة، بل كان حدثًا استثنائيًا ترافقه مراسم احتفالية تجمع المعلمين والتلاميذ والأهالي وسكان الحي، في تقليد عُرف باسم «موكب آمين» (Âmin Alayı)، ويُطلق عليه أيضًا «احتفال بدء البسملة» (Bed-i Besmele).
وكانت هذه المراسم تعكس المكانة التي احتلها التعليم في المجتمع العثماني، حيث ارتبط دخول الطفل إلى الكُتّاب بالاحتفاء بالعلم والدعاء بالتوفيق، في أجواء تمتزج فيها المظاهر الدينية بالتقاليد الاجتماعية.
من أين جاءت تسمية «موكب آمين»؟
تعود تسمية الموكب إلى كلمة «آمين» التي كان يرددها التلاميذ والمشاركون بصوت جماعي خلال المسيرة، استجابةً للأدعية والأناشيد الدينية التي ينشدها طلاب الكُتّاب.
وبحسب الموسوعة الإسلامية الصادرة عن وقف الديانة التركي، لا يُعرف على وجه الدقة متى بدأ هذا التقليد، لكنه أصبح من المراسم المعروفة في المجتمع العثماني، وكان يُنظم عادة في أيام الاثنين والخميس أو في المناسبات الدينية التي تُعد مباركة.
وكانت الأسرة تُبلغ معلم الكُتّاب مسبقًا باستعداد طفلها لبدء التعليم، ليجمع المعلم تلاميذه ويُنظم موكبًا ينطلق من المدرسة باتجاه منزل الطفل، تتقدمه مجموعة تنشد الأناشيد، بينما يردد بقية المشاركين «آمين» بين مقاطعها.
ومع مرور الموكب في شوارع الحي، كان السكان ينضمون إليه، ليتحول المشهد إلى احتفال جماعي يعلن استقبال تلميذ جديد في عالم التعليم.
عربات مزينة ومواكب تجوب الشوارع
اتسم «موكب آمين» بطقوس احتفالية خاصة، إذ كانت الأسرة تُعد للطفل ملابس جديدة، وتجهز أدواته الدراسية، بينما يُخصص له أحيانًا حصان صغير أو عربة مزينة تنقله إلى الكُتّاب.
وكان الموكب يسير وفق ترتيب محدد، حيث يتقدم المشاركين أشخاص يحملون أدوات الدراسة، من بينها لوحة الحروف الهجائية العربية المعروفة باسم «الألفباء»، وكيس الأجزاء القرآنية، إلى جانب الرحلة الخشبية التي توضع عليها الكتب أثناء القراءة.
وخلف هذه الأدوات يسير الطفل المحتفى به، يتبعه المعلم والتلاميذ والأهل والجيران، وسط الأناشيد والأدعية التي ترافق الموكب حتى وصوله إلى المدرسة.
وفي إسطنبول، اعتادت بعض الأسر اصطحاب أطفالها قبل المراسم إلى منطقة أبي أيوب الأنصاري، المعروفة تركيًا باسم «أيوب سلطان»، للدعاء لهم بالتوفيق في رحلتهم التعليمية.
ولم تكن تفاصيل الاحتفال متماثلة لدى جميع العائلات، إذ اختلف حجم الموكب ومظاهر الزينة والضيافة تبعًا للظروف الاجتماعية والاقتصادية لكل أسرة.
أول درس يبدأ بالبسملة والدعاء
بعد انتهاء المسيرة، تبدأ المرحلة الأهم من الاحتفال، وهي تلقي الطفل أول درس رسمي في حياته التعليمية.
وكان المعلم يجلس أمام التلميذ الجديد، ويطلب منه البدء بالبسملة، ثم يشرع في تعليمه الحروف الأولى من الأبجدية العربية، قبل أن يردد الطفل الدعاء القرآني: «رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا».
ويردد الحاضرون كلمة «آمين»، في مشهد يربط بين بداية التعليم والدعاء بطلب العلم والتوفيق.
وفي بعض الحالات، كان الدرس الأول يُقام داخل منزل الأسرة بدلًا من الكُتّاب، وفقًا لطبيعة المراسم وظروف العائلة.
ويُختتم الاحتفال عادة بتلاوة آيات من القرآن الكريم والدعاء، ثم تقديم الطعام والحلوى والهدايا والنقود الرمزية للتلاميذ المشاركين، إلى جانب تكريم المعلم ومساعديه.
كيف كان التعليم في العصر العثماني؟
ارتبط «موكب آمين» بمؤسسات التعليم الأولي التي عُرفت باسم «مكاتب الصبيان» أو «مدارس الأحياء»، وهي مؤسسات كانت منتشرة في المدن والبلدات العثمانية، وتُعنى بتعليم الأطفال القراءة والكتابة والمبادئ الدينية.
وشملت الدروس الأولى تعلم الحروف العربية وقراءة القرآن الكريم، إلى جانب مبادئ الحساب وبعض القيم والسلوكيات الاجتماعية.
وكان الأطفال يلتحقون بهذه المدارس في سن مبكرة، حيث شاع في بعض الأوساط تقليد بدء التعليم عند بلوغ الطفل أربع سنوات وأربعة أشهر وأربعة أيام، وإن اختلف سن الالتحاق الفعلي بين المناطق والفترات التاريخية.
ومع تطور مؤسسات التعليم العثمانية، ولا سيما خلال القرن التاسع عشر، شهد النظام التعليمي توسعًا في المدارس الابتدائية الحديثة وتغييرات في أساليب التدريس والتنظيم، ما أسهم تدريجيًا في تراجع عدد من التقاليد المرتبطة بمكاتب الصبيان القديمة.
تقليد يتجاوز الاحتفال إلى تشجيع الأطفال على التعلم
لم تكن أهمية «موكب آمين» مقتصرة على مظاهره الاحتفالية، إذ حمل أيضًا وظيفة تربوية واجتماعية تتمثل في تشجيع الأطفال على دخول المدرسة وربط التعليم بمشاعر الفرح والتقدير.
فمشاركة التلاميذ الأكبر سنًا في استقبال زميلهم الجديد، وحضور الأهالي والجيران، ومنح الهدايا، كلها عناصر كانت تجعل اليوم الأول تجربة مميزة في ذاكرة الطفل.
وتشير الموسوعة الإسلامية التركية إلى القيمة التربوية لهذا التقليد، ودوره في إثارة رغبة الأطفال في القراءة والتعلم، بدلًا من التعامل مع المدرسة بوصفها تجربة غريبة أو منفصلة عن حياتهم اليومية.
كما عكست المراسم طبيعة العلاقة بين المدرسة والمجتمع المحلي في العهد العثماني، حين كان تعليم الطفل شأنًا تشارك الأسرة والحي في الاحتفاء به.
عودة «موكب آمين» إلى المدارس التركية
رغم اختفاء الموكب بصورته التقليدية من الحياة المدرسية اليومية، شهدت تركيا خلال السنوات الماضية مبادرات لإحياء بعض مظاهره، خصوصًا في المؤسسات التعليمية التي تهتم بالتعريف بالتراث العثماني.
وفي سبتمبر/أيلول 2016، نظمت مؤسسة تعليمية خاصة في منطقة أوسكودار بإسطنبول احتفالًا مستوحى من «موكب آمين»، بمشاركة التلاميذ وأولياء أمورهم والمعلمين.
ونقلت الصحافة التركية آنذاك عن الأكاديمي في جامعة إسطنبول مدنيت، زكائي متى، أن تسمية «موكب آمين» ارتبطت بمشاركة الناس في ترديد الدعاء خلال مراسم بدء التعليم، موضحًا أن إحياء التقليد يستهدف تذكير الأجيال الجديدة بجانب من الموروث التعليمي العثماني.
وتأتي هذه المبادرات في سياق اهتمام بعض المؤسسات التركية بإعادة تقديم العادات التاريخية للأجيال الجديدة، من خلال أنشطة تربط التعليم بالذاكرة الثقافية.
وبينما تغيرت أساليب التدريس والمناهج والمؤسسات التعليمية على مدى العقود الماضية، بقي «موكب آمين» شاهدًا على مرحلة تاريخية كان فيها اليوم الدراسي الأول مناسبة تتجاوز حدود المدرسة، لتصبح احتفالًا اجتماعيًا بالعلم والمعرفة.
ففي الوقت الذي يُستقبل فيه التلاميذ اليوم بالحقائب والكتب والأنشطة المدرسية، تكشف قصة هذا التقليد العثماني عن صورة مختلفة لبداية التعليم، حين كانت شوارع الحي تمتلئ بالأناشيد والأدعية احتفاءً بطفل يخطو خطواته الأولى نحو القراءة والكتابة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











