ترك برس

في مقال تحليلي نشره موقع Independent Türkçe، يستعرض الدكتور أوميت ألبرين، الأستاذ المشارك في قسم العلاقات الدولية بجامعة سليمان دميريل، التطورات المتسارعة في العلاقات الأمنية بين الهند واليابان. ينطلق الكاتب من مشهد رمزي تمثل في مشاركة طائرات مقاتلة يابانية من طراز F-2A لأول مرة في أراضٍ هندية خلال مناورة "Veer Guardian" في قاعدة جودبور الجوية بولاية راجستان في سبتمبر. 

ويشير الكاتب إلى أن هذا التطور لم يأتِ فجأة، بل جاء تتويجاً لتسارع ملحوظ في التقارب الأمني خلال الصيف، حيث استقبل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نظيرته اليابانية سانيه تاكايتشي في القمة السنوية مطلع يوليو واصفاً إياها بـ"أختي"، تلاه لقاء وزيري الدفاع في أغسطس ثم المناورة المشتركة. ويؤكد ألبرين أن ما يحدد اتجاه العلاقة ليس المجاملات الدبلوماسية بقدر ما هو التركيز على الأمن البحري والإنتاج الدفاعي وتبادل التكنولوجيا.

يطرح الكاتب السؤال المحوري: هل يُنبئ هذا التقارب بمحور جديد في آسيا أم أنه مجرد تنويع استراتيجي يكمّل الشراكات القائمة؟ ويجيب بأن الصورة الحالية تشير إلى شراكة أمنية تجمع احتياجات مختلفة على أرضية مشتركة أكثر مما تشير إلى تحالف عسكري جديد. ويشدد على أن مدى تقدم هذه الشراكة سيتحدد بقدرة الطرفين على الإنتاج المشترك والعمل معاً ميدانياً، وليس فقط بالتقارب الدبلوماسي.

ينتقل ألبرين إلى الخلفية المؤسسية للعلاقة، موضحاً أنها ليست جديدة، إذ تستند إلى قمم سنوية وآلية "اثنين زائد اثنين" وترتيبات لوجستية ومناورات بحرية مثل JIMEX. ويبرز أهمية مذكرة التفاهم حول التعاون في الأمن البحري الموقعة في أغسطس، والتي تشمل الوعي بالمجال البحري وتبادل المعلومات وعمليات البحث والإنقاذ والاستجابة للكوارث، إلى جانب زيارات السفن والمناورات وتبادل الأفراد والتعاون في الصيانة. ويربط الكاتب ذلك بالتكامل الجغرافي: فاليابان تركز على بحر الصين الشرقي وتايوان، بينما تتمركز الهند في المحيط الهندي، مما يتيح تقييماً أكثر شمولاً للمساحات البحرية مع تعمق تبادل المعلومات. ويستشهد بزيارة وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي للقيادة البحرية الغربية في مومباي ومدمرة INS Chennai قبل توجهه إلى نيودلهي كدليل على اهتمام طوكيو بغرب المحيط الهندي أيضاً، وليس فقط بخليج البنغال ومضيق ملقا.

وفي محور الإنتاج الدفاعي المشترك، يرى الكاتب أن المناورات تعزز الثقة والقدرة على العمل معاً، لكن استدامة التعاون في أزمة طويلة تعتمد على القدرة على إنتاج المعدات وإصلاحها وإعادة تزويدها. لذلك يصبح قطاع الدفاع عنصراً أساسياً وليس تفصيلاً تقنياً. وينقل عن كويزومي قوله إن "الإنتاج الدفاعي هو الردع ذاته". ويوضح أن اليابان تسعى إلى سلاسل توريد أقل اعتماداً على الصين للمعادن والمكونات الحرجة، في ظل شيخوخة قوتها العاملة وضعف الموردين الصغار، بينما تقدم الهند سوقاً واسعاً وإمكانات إنتاجية. أما نيودلهي فتطمح إلى الإنتاج المحلي واكتساب التكنولوجيا وتطوير صناعتها، لا مجرد شراء معدات يابانية. ويلفت إلى مشروع UNICORN لنظام الاتصالات المتكامل للسفن البحرية كنموذج واعد، إذ وُصف بأنه أول مشروع لنقل معدات دفاعية، ووقّع اتفاق التطوير المشترك بمشاركة Bharat Electronics Limited في نوفمبر 2024، وأكد الجانبان في أغسطس التزامهما بتعجيل تنفيذه. كما يناقش الطرفان خيارات التصميم المشترك وإصلاح السفن ودمج الخبرات اليابانية مع القدرة الإنتاجية الهندية، إلى جانب مبادرات في الأنظمة غير المأهولة. غير أن الكاتب ينبه إلى أن عمق التعاون الصناعي لم يبلغ بعد مستوى القرب الدبلوماسي، وأن العقبة الأساسية تكمن في شروط نقل التكنولوجيا: فالهند تريد الإنتاج على أراضيها وزيادة المساهمة المحلية، بينما تحرص اليابان على حماية الملكية الفكرية وضمان أمن التقنيات الحساسة.

يرفض ألبرين تفسير الانفتاح الياباني على الهند كـ"خطة بديلة" عن الولايات المتحدة بسبب الرسوم الجمركية وتوقعات واشنطن بمشاركة أكبر في الأعباء. ويؤكد أن التحالف الياباني-الأمريكي يقوم على معاهدة ووجود عسكري راسخ، بينما الشراكة مع الهند من نوع مختلف. فبالنسبة لطوكيو هو "تنويع داخل التحالف"، أما بالنسبة لدلهي فقد يكون سعياً للوصول إلى التكنولوجيا والإنتاج وشبكة أمنية أوسع دون الاعتماد على شريك واحد. ويدعم ذلك بالأبعاد الاقتصادية، مثل هدف الاستثمار البالغ 10 تريليونات ين، والاتفاقيات التي أبرمها القطاع الخاص، والشريحة الأولى البالغة نحو تريليوني ين المعلن عنها في قمة يوليو. ويربط بين الأمن والاقتصاد عبر أمن الطاقة وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة، مشيراً إلى أن المناورات ومبادرات الأمن البحري تضفي بعداً عسكرياً مباشراً على العلاقة.

وفيما يتعلق بالصين، يلاحظ الكاتب أن البيانات المشتركة أثناء زيارة كويزومي لم تذكر بكين صراحة، لكنها عارضت الأفعال الأحادية التي تعيق حرية الملاحة وتغيير الوضع القائم بالقوة أو الضغط، وهو ما يمكن قراءته كنقد ضمني. أما بكين فقد حذرت بعد قمة يوليو من أن التعاون الدولي يجب ألا يضر بمصالح أطراف ثالثة أو يشكل ذريعة لـ"تكتلات إقصائية". غير أن ألبرين يحذر من اختزال الشراكة في رسالة موجهة إلى الصين فقط، لأن الأمن البحري والاستجابة للكوارث وقدرات الصيانة وسلاسل التوريد المرنة تلبي احتياجات أوسع للطرفين. ويخلص إلى أن ما سيحدد عمق العلاقة ليس مجرد الإدراك المشترك للتهديد، بل الفوائد الملموسة في هذه المجالات.

في النهاية، يؤكد الكاتب أن الهيكل الذي تبنيه الهند واليابان ليس تحالفاً عسكرياً جديداً اليوم، بل نموذجاً للتنويع يجمع احتياجات استراتيجية مختلفة. فاليابان تسعى إلى شبكة أمنية وإنتاجية أكثر مرونة تتجاوز التحالف مع أمريكا، والهند تسعى إلى الوصول إلى التكنولوجيا ورأس المال والقدرة الدفاعية دون الاعتماد على شريك واحد. ويختم بأن مستقبل العلاقة سيتحدد في المصانع وأحواض بناء السفن ومراكز الصيانة والمناورات المشتركة أكثر مما يتحدد في الرسائل الودية بين القادة. فإذا تحولت مشاريع مثل UNICORN إلى قدرات إنتاجية ملموسة، وتجاوزت عقبات نقل التكنولوجيا، وأصبح التعاون في الأمن البحري دائماً، فإن ما يُرى اليوم "تنويعاً استراتيجياً" قد يتحول غداً إلى شراكة أمنية أوسع نطاقاً.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!