
ترك برس
دعت تركيا الاتحاد الأوروبي إلى مراعاة الشراكة الاقتصادية القائمة بين الجانبين عند صياغة سياساته الصناعية والتجارية الجديدة، محذرة من أن استبعاد تركيا أو تجاهل الاتحاد الجمركي قد يضر بمصالح الصناعات والاقتصادات على جانبي العلاقة. وتأتي هذه الدعوة في ظل توجه أوروبي لتعزيز الإنتاج داخل القارة، وتقليل الاعتماد على الواردات من الدول الثالثة، بما يثير تساؤلات بشأن مستقبل سلاسل التوريد والشراكات الصناعية القائمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي.
وقال وزير التجارة التركي عمر بولات إن أنقرة تتفهم دوافع الاتحاد الأوروبي وراء مبادرة «قانون تسريع الصناعة»، لكنها ترى أن معالجة المخاوف المتعلقة بالواردات الكبيرة من الدول الثالثة ينبغي ألا تكون على حساب الشركاء الموثوقين، وفي مقدمتهم تركيا، أو على حساب الاتحاد الجمركي القائم بين الطرفين.
وأضاف بولات، خلال مشاركته في جلسة بعنوان «رسم مستقبل العلاقات التجارية والاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا»، ضمن قمة الأعمال التركية الأوروبية في بروكسل، أن تركيا تتعاون بشكل وثيق مع المسؤولين الأوروبيين بشأن هذه الملفات، مشددًا على ضرورة اعتماد نهج يراعي المصالح المشتركة ويضمن استمرار التكامل الصناعي والتجاري.
وأوضح أن أنقرة تطالب باعتبارها شريكًا متكافئًا في مبادرات «الإنتاج في أوروبا» و«الإنتاج مع الاتحاد الأوروبي»، مؤكدًا أن هذا النهج يخدم الاقتصاد والصناعة في كلا الجانبين، ولا سيما قطاع السيارات الذي يشكل أحد أبرز محاور الترابط الاقتصادي بينهما.
الاتحاد الجمركي رفع التجارة 11 ضعفًا
واستعرض بولات نتائج الاتحاد الجمركي الذي دخل حيز التنفيذ مطلع عام 1996، مشيرًا إلى أنه أسهم في إزالة القيود التجارية والتدابير ذات الأثر المماثل، إلى جانب اعتماد تركيا التعريفة الجمركية الخارجية المشتركة ومواءمة تشريعاتها مع القواعد الأوروبية في مجالات المنافسة ومساعدات الدولة والعلامات التجارية وبراءات الاختراع والسياسة التجارية.
وقال إن الاتحاد الجمركي حقق نجاحًا كبيرًا على مدى ثلاثة عقود، إذ ارتفع حجم التجارة السنوية بين الجانبين من نحو 21 مليار دولار إلى 233 مليار دولار العام الماضي، أي بنحو 11 ضعفًا.
وأشار إلى أن هذه الشراكة أسهمت في زيادة الاستثمارات المتبادلة وفتح الأسواق أمام الصادرات الصناعية، فضلًا عن بناء تكامل واسع بين الصناعات التركية والأوروبية.
ولفت بولات إلى أن نحو 63% من إجمالي رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا، البالغ 294 مليار دولار، يأتي من شركات الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس عمق الروابط الاقتصادية بين الشركات التركية والأوروبية.
كما أوضح أن حجم التجارة بين الطرفين خلال السنوات الخمس الماضية بلغ نحو 900 مليار يورو، بما يعادل تريليون دولار، وفق الأرقام التي عرضها الوزير.
قطاع السيارات في صلب التكامل الصناعي
وأكد بولات أن قطاع السيارات يمثل أحد أبرز الأمثلة على الترابط الصناعي بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إذ يشكل نحو 26% من إجمالي التجارة بينهما، بقيمة تصل إلى 62 مليار دولار.
وأشار إلى أن الشركات الأوروبية تستحوذ على نحو 75% من صناعة السيارات في تركيا، مستشهدًا بوجود شركات كبرى مثل رينو وبيجو وفيات ومجموعة ستيلانتس ومان ومرسيدس-بنز وبوش، التي تمارس أنشطة إنتاجية وصناعية في السوق التركية.
وأضاف أن الشركات الأوروبية استثمرت نحو 21 مليار يورو في قطاع السيارات التركي، موضحًا أن العلاقة لا تقتصر على الاستثمارات والإنتاج، بل تشمل أيضًا الشراكات مع الشركات التركية وتوريد المكونات وقطع الغيار.
وبحسب بولات، أنتجت تركيا نحو مليون و450 ألف سيارة ومركبة آلية خلال العام الماضي، وجاء نحو 75% من هذا الإنتاج عبر شركات أوروبية. وفي المقابل، يبلغ حجم سوق السيارات التركية السنوي نحو 1.3 مليون مركبة، تغطي الواردات منها نحو 980 ألف مركبة، أي ما يعادل قرابة 75% من السوق.
واعتبر الوزير أن هذه الأرقام توضح حجم الاعتماد المتبادل بين الجانبين في مجالات الإنتاج والأسواق وسلاسل التوريد، محذرًا من أن أي ترتيبات تجارية جديدة لا تأخذ هذه الروابط في الحسبان قد تؤثر في مصالح الشركات والصناعات على الطرفين.
أنقرة تطالب بمشاركة متكافئة في مبادرة «الإنتاج في أوروبا»
وفي معرض حديثه عن قانون تسريع الصناعة الذي يناقشه الاتحاد الأوروبي، قال بولات إن تركيا تتفهم الحاجة إلى معالجة المخاوف المرتبطة بالواردات الكبيرة من الدول الثالثة، وتدعم التعاون مع الشركاء الأوروبيين في هذا الشأن، لكنه شدد على أن الحل لا ينبغي أن يقوم على استبعاد الشركاء الموثوقين.
وأوضح أن أنقرة تنقل هذه الرسالة إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي، داعية إلى الاعتراف بتركيا شريكًا متكافئًا في مشروعات «الإنتاج في أوروبا» و«الإنتاج مع الاتحاد الأوروبي».
وأكد أن استمرار التعاون الصناعي والتجاري دون عوائق يخدم مصالح الاقتصادات الأوروبية والتركية على حد سواء، ولا سيما في ظل الترابط القائم بين المصانع والشركات وسلاسل التوريد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى قطاع السيارات، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على شبكات إنتاج وتوريد عابرة للحدود، ما يجعل موقع تركيا في المبادرات الصناعية الأوروبية الجديدة عاملًا مؤثرًا في مستقبل التعاون الاقتصادي بين الطرفين.
حوار تجاري لمعالجة مشكلات الاتحاد الجمركي
وفي سياق متصل، أعلن بولات أن تركيا والاتحاد الأوروبي سيعقدان اجتماعًا للحوار التجاري رفيع المستوى للمرة الثالثة خلال عامين، مشيرًا إلى أن الجانبين فضّلا تنظيمه ضمن برنامج قمة الأعمال التركية الأوروبية، بهدف جمع ممثلي القطاع الخاص والمسؤولين الحكوميين وتعزيز التواصل بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية.
وأوضح أن آلية الحوار التجاري أسهمت في خفض عدد المشكلات المرتبطة بالاتحاد الجمركي من 29 مشكلة إلى 14 مشكلة بحلول العام الماضي، مؤكدًا أن أنقرة تسعى إلى إحراز مزيد من التقدم في هذا المسار.
وكان بولات قد أشار إلى أنه يزور بروكسل للمرة الخامسة خلال العام الجاري، وأنه عقد ثمانية لقاءات مع المفوض الأوروبي لشؤون الاقتصاد والتجارة ماروش شيفتشوفيتش، في مؤشر على استمرار المشاورات بين الجانبين بشأن القضايا التجارية والاقتصادية.
وتسعى تركيا، من خلال هذه الاتصالات، إلى ضمان أخذ موقعها في سلاسل الإنتاج الأوروبية في الاعتبار عند وضع السياسات الصناعية الجديدة، والحفاظ على المكاسب التي حققها الاتحاد الجمركي خلال العقود الثلاثة الماضية، بالتوازي مع معالجة المشكلات القائمة وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاستثماري.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











