
ترك برس
تحوّل طرابزون سبور من نادٍ محلي على ساحل البحر الأسود إلى قوة غيّرت تاريخ كرة القدم التركية، بعدما نجح عام 1976 في كسر احتكار أندية إسطنبول للقب الدوري. وخلف هذا الإنجاز حكاية مدينة جعلت من كرة القدم رمزًا لهويتها وطموحها، وخاضت عبر ناديها صراعًا طويلًا لإثبات حضورها في مواجهة عمالقة الكرة التركية.
وتتبع حلقة “الدحيح” حكاية “طرابزون سبور” النادي الذي ولد من توحيد أندية مدينة تركية على البحر الأسود، فكيف تحول فريق محلي إلى لغة للهوية وكسر احتكار إسطنبول للقب الدوري؟
ففي 30 أبريل/نيسان 2022، لم يكن تعادل طرابزون سبور مع أنطاليا سبور في 30 أبريل/نيسان 2022 مجرد نتيجة أغلقت سباق الدوري التركي. في تلك الليلة، نزل جمهور الفريق إلى أرض الملعب وامتدت الاحتفالات من مدرجات "شينول غونيش" إلى شوارع المدينة وخارجها، بعد لقب طال انتظاره 38 عاما.
وتبدأ حلقة الدحيح (14 أكتوبر/تشرين الأول 2026) من هذا المشهد، لكنها لا تتعامل معه باعتباره احتفالا بكأس فقط. فخلف القميص العنابي والأزرق حكاية مدينة على البحر الأسود، عرفت موقعا مزدهرا في طرق التجارة، ثم شعرت على مدى عقود أنها بعيدة عن مراكز الاقتصاد وكرة القدم في تركيا.
وحين توحدت أنديتها المحلية تحت اسم طرابزون سبور، لم تؤسس فريقا جديدا فحسب، بل صنعت لغة تقول بها إنها حاضرة في المشهد.
مدينة بين البحر والجبل
جغرافيا، تقع طرابزون على ساحل البحر الأسود، بين البحر من جهة وسلسلة جبلية من جهة أخرى. وتقدم الحلقة -التي يمكن مشاهدتها عبر هذا الرابط- هذه الجغرافيا بوصفها مدخلا لفهم المدينة: طبيعة خلابة، لكنها صعبة الاتصال بالمراكز التركية الكبرى.
وتعود الحلقة إلى تاريخ طرابزون بوصفها محطة تجارية مهمة، ثم تتابع كيف أسهم تغير مسارات التجارة والنقل في تراجع وزنها. وقبل أن يصبح النادي عنوان المدينة، كانت الجغرافيا نفسها حاضرة في قصتها: بحر يفتحها على العالم، جبال تجعل الطريق إلى الداخل أكثر صعوبة.
ولا تقدم الحلقة طرابزون بوصفها مدينة بلا تاريخ، بل مدينة تغير موقعها في الخريطة. فبعد أن كانت بوابة عبور مهمة للتجارة نحو الداخل، تراجع دورها مع ظهور مسارات بحرية وبرية منافسة، فيما زادت الجغرافيا الوعرة صعوبة وصلها بشبكة النقل في الداخل التركي.
ومع تراجع الاقتصاد المحلي، تروي الحلقة أن الهجرة صارت جزءا من تجربة أبناء طرابزون، حيث انتقل كثيرون إلى إسطنبول وأنقرة ومدن أوروبية بحثا عن فرص العمل، لكن المدينة بقيت حاضرة في الذاكرة عبر ما تحمله من روابط محلية ولهجة وعادات، ثم عبر فريق كرة القدم الذي سيجمع هذه العناصر تحت راية واحدة.
هنا تطرح الحلقة فكرتها الأساسية: حين تشعر مدينة أنها بعيدة عن المركز، لا تصبح الرياضة ترفا، إذ قد تتحول إلى مساحة اعتراف، ووسيلة تقول بها المدينة إن لها مكانا في منافسة لا تملك فيها المال أو النفوذ نفسه الذي تملكه المدن الكبرى.
وتظهر هذه الروابط في المدرجات أيضا، حيث لا تقتصر هوية الجمهور على تشجيع الفريق، بل تمتد إلى الرموز واللافتات التي تصنع لغته الخاصة.
ناد ولد من خصومات محلية
وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت كرة القدم التركية تدور حول أندية إسطنبول الكبرى. ومنذ انطلاق الدوري الموحد عام 1959، بقي اللقب محصورا بين غلطة سراي وفنربخشه وبشكتاش حتى منتصف السبعينيات.
أما طرابزون، فلم تكن تفتقر إلى الفرق أو الشغف، بل كانت تملك أكثر من ناد محلي ذي جمهور وخصومة، وهو ما شكل عقبة أمام فكرة تكوين فريق واحد يمثل المدينة في المسابقات الاحترافية.
لكن ضغطا شعبيا ومحليا دفع باتجاه تجاوز الانقسام. وفي 2 أغسطس/آب 1967، توحدت أندية المدينة باسم "طرابزون سبور" واختير العنابي والأزرق الفاتح لونا للنادي الجديد حتى لا ينحاز لألوان أحد الأندية السابقة. وبناء عليه، لم تكن لحظة التأسيس اتفاقا إداريا سهلا، بل محاولة لجمع مدينة منقسمة كرويا خلف اسم واحد.
كسر احتكار إسطنبول
وفي عام 1974، صعد طرابزون سبور إلى الدرجة الأولى، وبعد عامين فقط أحرز لقب الدوري موسم 1975-1976، ليصبح أول ناد من خارج إسطنبول يتوج بالبطولة التركية.
وكان ذلك التحول أكبر من مفاجأة رياضية، فالفريق الذي ولد من اندماج أندية المدينة صار قادرا على كسر احتكار ظل قائما 16 عاما. ثم واصل نجاحه في تلك الحقبة، معتمدا بدرجة كبيرة على لاعبين من أبناء المنطقة ومنظومة ناشئين محلية، بحسب ما تعرضه الحلقة.
لكن قواعد اللعبة تغيرت لاحقا. فمع اتساع أثر حقوق البث والرعايات وسوق الانتقالات واللاعبين الأجانب، واجه طرابزون سبور صعوبة أكبر في مجاراة أندية إسطنبول ذات الموارد الأوسع.
ذاكرة خسارة واحتجاج
وتتوقف الحلقة عند محطات بقيت حاضرة في ذاكرة جمهور طرابزون سبور، ومنها موسم 1995-1996، ثم موسم 2010-2011 الذي أنهاه النادي وصيفا.
وفي سياق قضية التلاعب التي هزت الكرة التركية عام 2011، شارك طرابزون سبور في دوري أبطال أوروبا بعد استبعاد فنربخشه من المشاركة في البطولة. لكن الحلقة لا تجعل هذه القضية تفصيلا قانونيا فقط، بل تضعها في سياق شعور متراكم لجمهور المدينة بأن المنافسة لا تجري دائما بين أندية تملك الأدوات نفسها.
وفي سياق هذه الذاكرة، تستعيد "الدحيح" واقعة مباراة طرابزون سبور وغلطة سراي عام 2016، فبعد اعتراض لاعبي طرابزون على قرارات تحكيمية خلال اللقاء، انتزع المدافع صالح دورسون البطاقة الحمراء من الحكم وأشهرها في وجهه، قبل أن ينال البطاقة نفسها ويطرد من المباراة.
ولا تقدم الواقعة دليلا على صحة كل ما يعتقده الجمهور بشأن التحكيم، لكنها بقيت رمزا بصريا حادا لشعور بالغضب والاحتجاج لدى قطاع من مشجعي النادي، وهو شعور لا ينفصل، في بناء الحلقة، عن قصة مدينة ترى أنها تنافس من مسافة أبعد عن مركز الثقل الكروي والاقتصادي في تركيا.
استعادة صوت المدينة
وفي موسم 2021-2022، عاد طرابزون سبور إلى القمة بعد 38 عاما من آخر لقب للدوري، إذ تظهر الحلقة مشاهد احتفال واسع في المدينة وخارجها، في لحظة بدا فيها اللقب أقرب إلى استعادة جماعية لصوت ظل يبحث عن مساحة في كرة القدم التركية.
لم يكن التتويج إلغاء لما سبق من خسارات أو خلافات، لكنه منح الجمهور نهاية مختلفة لقصة طويلة، فمن مدينة قدمتها الحلقة بوصفها بعيدة عن المركز، خرج فريق جعل اسمها يتردد في ملاعب تركيا وخارجها.
وفي احتفالات 2022، لم تظهر الكأس بوصفها نهاية موسم فقط، بل علامة على عودة المدينة إلى واجهة الحكاية.
أكثر من رقم على قميص
في ختام الحلقة، يعود "الدحيح" إلى الرقم 61، رمز ولاية طرابزون الذي يظهر في تفاصيل كثيرة من حياة سكانها، فهو ليس مجرد رمز إداري، كما أن النادي ليس مجرد فريق ينافس على لقب.
تقول حكاية طرابزون سبور إن كرة القدم قد تصبح لغة مدن لا ترى نفسها في المركز، لكنها ترفض أن تبقى على الهامش. وحين رفعت الجماهير الكأس عام 2022، لم تكن تحتفل بفوز فريقها وحده، بل بحضور مدينة كاملة في لعبة لطالما بدت حكرا على سواها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










