ترك برس

تحولت أزمة الحجاب في المدارس الأذربيجانية من خلاف داخلي بشأن قواعد الزي المدرسي إلى مصدر توتر سياسي بين أذربيجان وتركيا، بعدما أثارت القيود الجديدة احتجاجات واعتقالات داخل البلاد، وانتقادات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية التركية، دفعت الحزب الحاكم في باكو إلى اتهام شخصيات مقربة من الحكومة التركية بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.

وجاء التصعيد بعدما رفض حزب «أذربيجان الجديدة» الحاكم، الثلاثاء 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تصريحات مستشار للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونواب من حزب العدالة والتنمية، بشأن منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول المدارس، معتبرًا أن تلك الانتقادات تتجاهل الطبيعة العلمانية للدولة الأذربيجانية وتهدد العلاقات بين البلدين، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت".

كيف بدأت الأزمة؟

تعود جذور الأزمة إلى يوليو/تموز الماضي، عندما أقرت أذربيجان تعديلًا على قانون التعليم العام عزز مبدأي الوطنية والعلمانية في المؤسسات التعليمية، قبل أن يصدر مجلس الوزراء قرارًا في 21 سبتمبر/أيلول يفرض الالتزام بالزي المدرسي الموحد، ويمنع ارتداء ملابس إضافية تتعارض مع مبدأ علمانية التعليم.

ورغم أن القرار لم يتضمن نصًا صريحًا يحظر الحجاب، فإن تطبيقه في بعض المدارس أدى، وفق شهادات وتقارير صحفية، إلى منع طالبات محجبات من دخول الفصول الدراسية، لا سيما في العاصمة باكو ومدينة سومقاييت.

واتسعت الأزمة في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، مع صدور قواعد جديدة لملابس المعلمين، أعقبتها شكاوى من معلمات قلن إن إدارات مدارسهن طلبت منهن خلع الحجاب أو الامتناع عن الحضور إلى العمل.

وتحدثت المعلمة الأذربيجانية غولشان علييفا، التي تعمل في التدريس منذ 23 عامًا، عن منعها وابنتها من دخول المدرسة بسبب الحجاب، مؤكدة رغبتها في مواصلة عملها دون أن تصبح معتقداتها الدينية عائقًا أمام حقها في العمل.

احتجاجات واعتقالات داخل أذربيجان

ومع انتشار مشاهد لطالبات محجبات مُنعن من دخول مدارسهن، خرجت احتجاجات في مناطق مختلفة من أذربيجان، وسط مطالبات بالتراجع عن القيود واحترام حرية المعتقد والحق في التعليم.

وأعلنت وزارة الداخلية الأذربيجانية، في 12 أكتوبر/تشرين الأول، توقيف 37 شخصًا على خلفية الأحداث، متهمة إياهم بالإخلال بالنظام العام وتعطيل عمل مؤسسات تعليمية، في حين أثارت الاعتقالات مزيدًا من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم يكن الخلاف بشأن الحجاب جديدًا في أذربيجان، إذ شهدت البلاد احتجاجات مشابهة بين عامي 2010 و2012، عندما حاولت السلطات فرض قيود على الزي المدرسي، قبل أن تتراجع عن بعض الإجراءات تحت ضغط الاعتراضات.

وتعكس الأزمة خلافًا أوسع بشأن تفسير العلمانية في بلد يشكل المسلمون الغالبية العظمى من سكانه، لكنه يتبنى نظامًا دستوريًا علمانيًا تأثر بتاريخه السوفياتي.

فبينما يرى مؤيدو القيود أن المدارس الحكومية ينبغي أن تحافظ على حيادها الديني ووحدة الزي المدرسي، يعتبر معارضوها أن علمانية الدولة لا تبرر حرمان الطالبات من التعليم أو المعلمات من العمل بسبب لباسهن.

لماذا انتقلت الأزمة إلى تركيا؟

لم تتوقف أصداء القضية عند الحدود الأذربيجانية، إذ أعادت القيود الجديدة إلى الذاكرة التركية مرحلة 28 فبراير/شباط 1997، التي ارتبطت بتدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية وتشديد القيود على ارتداء الحجاب في الجامعات والمؤسسات العامة.

وخلال تلك المرحلة، مُنعت طالبات محجبات من متابعة تعليمهن الجامعي، وتعرضت موظفات ومعلمات لإجراءات إدارية بسبب الحجاب، قبل أن تشهد تركيا لاحقًا إصلاحات ألغت معظم تلك القيود خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية.

هذه الخلفية التاريخية جعلت الأزمة الأذربيجانية تتجاوز حدود الجدل بشأن الزي المدرسي، لتتحول إلى قضية حظيت باهتمام صحف تركية محافظة وإسلامية وعلمانية ومعارضة.

وفي الثالث من أكتوبر/تشرين الأول، نظم محتجون وقفة أمام القنصلية الأذربيجانية في إسطنبول، طالبوا خلالها السلطات بالتراجع عن القيود، ورفعوا شعارات تحذر من تكرار تجربة 28 فبراير في أذربيجان.

انتقادات تركية تستدعي ردًا من باكو

وازداد التوتر بعدما انتقد أوكتاي سارال، مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منع الطالبات المحجبات من دخول المدارس، معتبرًا أن حرمان فتاة من التعليم بسبب معتقدها الديني أمر غير مقبول.

كما دعا نواب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، بينهم ليلى شاهين أوسطا ومحمد مفيد آيدن، السلطات الأذربيجانية إلى التراجع عن الإجراءات التي طالت المحجبات.

في المقابل، حاول المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جليك احتواء الجدل، مؤكدًا في السابع من أكتوبر/تشرين الأول تمسك تركيا وأذربيجان بشعار «دولتان وأمة واحدة»، وأن الخلافات بشأن القضايا الداخلية والخارجية ينبغي أن تُعالج بالحوار بين البلدين.

غير أن هذه التصريحات لم تمنع تصاعد التوتر، بعدما أصدر حزب «أذربيجان الجديدة» الحاكم بيانًا شديد اللهجة في 13 أكتوبر/تشرين الأول، انتقد فيه تصريحات مستشار أردوغان ونواب الحزب الحاكم التركي، ووصفها بأنها شعبوية وغير مسؤولة.

واتهم الحزب الأذربيجاني جهات سياسية وإعلامية تركية باستغلال قضية الحجاب للضغط على باكو، مؤكدًا أن القواعد المدرسية تستند إلى مبادئ العلمانية والمساواة وسيادة القانون.

كما شدد على أن العلاقات الأخوية بين تركيا وأذربيجان لا تمنح أي طرف حق التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر أو فرض توجهاته السياسية والأيديولوجية عليه.

علاقات استراتيجية أمام اختبار جديد

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين البلدين، اللذين تجمعهما روابط قومية ولغوية وثقافية وثيقة، إلى جانب تعاون واسع في مجالات الدفاع والطاقة والتجارة.

وتُعد تركيا أبرز حلفاء أذربيجان الإقليميين، وقد قدمت لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا خلال حرب قره باغ عام 2020، فيما عزز البلدان شراكتهما الاستراتيجية بإعلان شوشة عام 2021، الذي رسخ التعاون بينهما في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية.

كما تمثل أذربيجان شريكًا مهمًا لتركيا في مشروعات نقل الطاقة، ولا سيما خطوط الغاز والنفط التي تربط بحر قزوين بالأسواق التركية والأوروبية.

وبسبب هذه المصالح المشتركة، تتجاوز تداعيات الخلاف بشأن الحجاب البعد الديني والحقوقي، لتطرح تساؤلات حول قدرة البلدين على إدارة خلافاتهما الداخلية دون التأثير في علاقاتهما الاستراتيجية.

ويكشف التصعيد الأخير عن اختلاف في التعامل مع القضية؛ ففي حين يرى منتقدو القيود في تركيا أن الدفاع عن حق المحجبات في التعليم امتداد لتجربتهم التاريخية، تعتبر السلطات الأذربيجانية أن الانتقادات الخارجية تمس سيادتها وحقها في تنظيم نظامها التعليمي وفق دستورها العلماني.

ورغم حدة التصريحات المتبادلة، لم تُعلن أي من الحكومتين إجراءات دبلوماسية رسمية تمس العلاقات الثنائية، ما يجعل التوتر حتى الآن متركزًا في التصريحات السياسية والإعلامية.

وبين تمسك باكو بقراراتها ومواصلة الاعتراضات على تطبيقها، تبقى قضية الحجاب اختبارًا لقدرة أنقرة وباكو على الفصل بين خلافاتهما بشأن الحريات الدينية وشراكتهما الاستراتيجية، في وقت لا تزال فيه طالبات ومعلمات محجبات يطالبن بحقهن في مواصلة التعليم والعمل دون قيود على لباسهن.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!