ترك برس

في مقال تحليلي نشره موقع Independent Türkçe، يطرح الدكتور عثمان غازي كاندمير، المحلل الاستراتيجي التركي، سؤالاً مركزياً أثارته أزمة مضيق هرمز في عام 2026: لماذا تقوم الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، بخفض مشترياتها في وقت يشهد فيه العرض انكماشاً؟ 

ويؤكد الكاتب أن التراجع في واردات بكين، رغم ما قد يبدو عليه من أثر مريح ظاهرياً على الأسواق، لا يمكن فهمه ضمن إطار أسواق الطاقة فقط، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً باعتبارات الأمن الاقتصادي الصيني.

يرى الكاتب أن الإدارة الصينية تضع في حسبانها التكاليف الباهظة التي قد تترتب على ارتفاع أسعار النفط فوق 150 دولاراً للبرميل. ويقول إن مثل هذا الارتفاع «كان من شأنه أن يضغط على القدرة الإنتاجية الصينية وعلى نموذج النمو القائم على الصادرات». 

فالصين تواجه، بحسب تحليله، خللاً بنيوياً يتمثل في عدم التوازن بين الطاقة الإنتاجية الهائلة والطلب المحلي المحدود. فبينما تمتلك البلاد قاعدة صناعية واسعة تمتد من السيارات الكهربائية والبطاريات إلى الألواح الشمسية والمنتجات التكنولوجية المتقدمة، فإن أزمة القطاع العقاري وتآكل ثروات الأسر وضعف ثقة المستهلكين تحول دون نمو الطلب الداخلي بما يكفي لاستيعاب هذه الطاقة الإنتاجية.

ويوضح كاندمير أن هذا الواقع يجعل الصين أكثر اعتماداً على الأسواق الخارجية، من أوروبا وأمريكا إلى الاقتصادات الناشئة وآسيا. وهنا يبرز خطر ارتفاع أسعار النفط كعامل قد يضعف هذا الطلب العالمي. 

فارتفاع تكاليف الطاقة يقلل من الدخل المتاح للأفراد، ويزيد من نفقات الشركات، ويولد ضغوطاً تضخمية قد تؤخر خفض أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، مما ينعكس سلباً على الطلب على السلع الصينية. 

ويشدد الكاتب على أن تجاوز سعر البرميل حاجز 150 دولاراً يمثل بالنسبة لبكين «خطراً أشمل من مجرد تضخم فاتورة الطاقة»، لأنه يهدد إيرادات التصدير والإنتاج الصناعي معاً.

وفي معرض حديثه عن أدوات إدارة هذا الخطر، يشير كاندمير إلى أن الصين تلجأ إلى استخدام المخزونات الاستراتيجية والتجارية المتراكمة قبل الأزمة، وتعديل نشاط المصافي وفق الطلب، والتوجه نحو قنوات توريد بديلة. ويوضح أن استنفاد المخزونات يقلل الحاجة إلى واردات جديدة، ويخفف من ضغط المنافسة مع المشترين الآخرين بأسعار مرتفعة، كما أن إعادة بيع بعض الشحنات المشتراة مسبقاً قد يدعم العرض في السوق. 

أما سياسة المصافي، فيراها جزءاً من الحساب نفسه؛ إذ إن شراء الخام بأسعار مرتفعة وبيع المنتجات بأسعار محددة إدارياً يضيق هوامش الربح، مما يدفع بعض المصافي إلى خفض الإنتاج، وبالتالي تقليل الحاجة إلى الواردات. ويحرص الكاتب على التمييز المهم التالي: «انخفاض الواردات لا يعني بالضرورة انخفاضاً مماثلاً في الاستهلاك»، لأن حجم الواردات يتأثر بتغيرات المخزون ونشاط التكرير وإعادة البيع والطلب الداخلي.

ويتطرق التحليل أيضاً إلى دور التحول الطاقي. يرى كاندمير أن انتشار السيارات الكهربائية، وكهربة شبكات السكك الحديدية، وتزايد استخدام مصادر الطاقة البديلة في النقل، إلى جانب أساليب الإنتاج القائمة على الفحم في قطاع البتروكيماويات، تساهم في الحد من بعض جوانب الطلب على النفط. 

غير أنه يحذر من المبالغة في تقدير هذا الأثر، مؤكداً أن الاقتصاد الصيني ما زال يعتمد على واردات النفط، خاصة في مجالات الطيران والنقل البحري والصناعات المختلفة. فالتحول الطاقي «يوسع هامش المناورة لبكين في أوقات الأزمات، لكنه لا يلغي الاعتماد على الإمدادات الخارجية».

وفي ختام تحليله، يرفض الكاتب تفسير قرار الصين بخفض الواردات على أنه تعبير عن مسؤولية عالمية. صحيح أن انسحاب مشترٍ كبير قد يخفف الضغط على الأسعار، إلا أن القرار، بحسب رأيه، ينبع من حسابات المصلحة الوطنية. فبكين تسعى إلى حماية أسواق صادراتها وإنتاجها الصناعي واستقرارها الاجتماعي الداخلي. 

وقد تستثمر الصين هذا القرار دبلوماسياً عبر خطاب المسؤولية العالمية، لكن المنطق الاقتصادي الأساسي يبقى مرتبطاً بحماية نموذجها التنموي من الصدمات الخارجية. ويخلص كاندمير إلى أن أولوية بكين تتمثل في إدارة أمن الطاقة بما يحفظ نموها القائم على التصدير واستقرارها السياسي الداخلي، وأن أي ارتياح تشهده الأسواق العالمية ليس سوى نتيجة ثانوية لهذا الخيار.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!