م. معين نعيم - خاص ترك برس

بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا والتي داست فيها الدبابات الناس والسيارات وأطلقت فيها المروحيات النار عشوائيا على المتظاهرين في شوارع أنقرة وقصفت المقاتلات بالصواريخ قصر الرئاسة والبرلمان ورئاسة الأركان وراح ضحية هذه الجريمة المئات من الأتراك وأصيب أكثر من 1500 من المدنيين والشرطة والعسكريين الرافضين للانقلاب حينها هتف الأتراك  في كل الميادين مطالبين بإعدام المنقلبين وما زالوا حتى اللحظة يفعلون كلما وقف أمامهم مسؤول يخاطب الجماهير المحتشدة أو لاحت لأهل مغدور أو فقيد فرصة ليعبر عن رأيه ولكن وبعيدا عن غضب الشارع وعاطفة الميادين فإن السياسي يحتاج للتفكير في أبعاد كل قراراته وارتداداتها على سياسة البلاد وعلاقاتها الداخلية والخارجية ومن هذا المنطلق سأطرح المتوقع من السيناريوهات المطروحة أمام صانع القرار التركي ونسأل هل ستتخذ السياسة التركية القرار العاطفي المتماشي مع رغبة الجماهير الغاضبة المطالبة بإعادة حكم الإعدام لقانون العقوبات التركي أم أنها ستكون حذرة في التعاطي مع الأمر وتحاول امتصاص غضب الجماهير لكن دون اتخاذ أي خطوة متهورة قد توقع تركيا فيما لا ترغب من مواجهة ومشاكل داخلية وخارجية...

قبل الخوض في هذه السيناريوهات من الجيد معرفة هذه النقطة التاريخية في موضوع عقوبة الإعدام في تركيا فرغم أن عقوبة الإعدام قد ألغيت جزئيا عام 2002 وتماما عام 2004 وذلك من خلال صفقة بين الحكومة التركية في حينه وبعض القوى الدولية على رأسها الولايات المتحدة أن ترتب الأخيرة تسليم رئيس حزب العمال الكردستاني والمطلوب بتهمة قتل الآلاف من المدنيين والعسكريين بشرط ألا يتم إعدامه وهذا ما حدث إلا أن حكم الإعدام في تركيا توقف فعليا منذ الخامس والعشرون من شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1984 أي بمعنى آخر فإن تركيا حين أسقطت حكم الإعدام رسميا أسقطت عن كاهليها قانون أوقفت تنفيذه منذ عشرين سنة ولم تكن ترغب في استمراره وتم انتقاد تركيا كثيرا من قبل المؤسسات الحقوقية الأوربية والعالمية وامتنعت الدول عن تسليم العديد من المجرمين بسبب وجوده أما الآن فالعودة لقانون الإعدام أمر شائك وفيه ثلاث سيناريوهات متوقعة وهي:

أولا: إعادة الإعدام لقانون العقوبات التركي بشكل عام وهذا وإن صدر فإنه لن ينفذ بأثر رجعي على من نفذ أي جريمة قبل إصداره لأن القانون التركي لا يعمل بأثر رجعي ولا ينفذ على من أجرم بجرم يطبق عليه القانون قبل إصدار هذا القانون وفي حال تم إقرار الأمر بهذا الشكل فإن الحكومة هي الخاسر الأكبر فهي من ناحية ستقع في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر أحد شروط المفاوضات للانضمام له اسقاط حكم الإعدام وهدد بقطع العلاقة والحوار حول انضمام تركيا في حال أعيد القانون ومن ناحية أخرى فهي لن ترضي الغضب الشعبي المطالب بإعدام المنقلبين لذلك فإن هذا السيناريو هو الأسوأ للحكومة والحزب الحاكم.

ثانيا: إعادة عقوبة الإعدام بقانون خاص مع تحديد الإنقلابيين ضمن نص القانون وهذا إن تم فسيواجه مشكلة قانونية وأخرى سياسية وشعبية.

أما على الصعيد القانوني فمن السهل الطعن بالقانون واسقاطه من قبل أي محام أو مؤسسة سياسية أو حقوقية بحجة أن القوانين لا يسمح أن تصدر بشكل مقصود ضد شخص أو مجموعة من الأشخاص بعينهم أما على الصعيد السياسي والشعبي فسيواجه الحزب الحاكم والحكومة انتقادا حادا جدا من كل المعارضين وحتى من القواعد الشعبية عامة كونها تقر مثل هذا القانون لإعدام مجموعة من الإنقلابيين وتترك المئات من الإرهابيين المعتقلين والذين ثبتت جرائمهم بقتل الآلاف من المدنيين والعسكريين وكلهم من أعضاء العصابات الإرهابية والانفصالية وعلى رأسهم عبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني والمحكوم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة التسبب في قتل أكثر من ثلاثين ألف مواطن تركي مدني وعسكري.

ثالثا: إعادة قانون الإعدام بشكل استثنائي ليعمل بأثر رجعي مما يعني إعادة محاكمة المئات من المتهمين بالإرهاب والقتل والحكم عليهم بالإعدام وهذا سيشمل قطعيا عبد الله أوجلان وقيادات حزب العمال الكردستاني المعتقلين والهاربين منهم وهذا الخيار قد يكون الأسوأ حيث أنه وبجانب الموقف الدولي المعارض والأوروبي المهدد إلا أنه سيمسح كل أحلام العدالة والتنمية والشارع التركي الذي وثق بها في فرص المصالحة الداخلية والتي بنيت على الحوار بين الدولة وممثلي حزب العمال الكردستاني والذي من بنوده المتوافق عليها تقريبا وتحدث فيها طرفي الحوار هي ترحيل المتهمين بالقتل من الإرهابيين شاملا المعتقلين منهم وفي حال تنفيذ هذا القانون سيحدث الانفجار الذي قد يعيد تركيا إلى ما قبل ثلاثين عام من المواجهة الدامية دون أفق والانفجار يعني فقدان العدالة والتنمية الحاكم ومن خلفه أردوغان الرجل الأقوى في تركيا لمصداقية وعودهم لشعبهم وجماهيرهم.

لذلك ومما سبق أعتقد أن الحزب الحاكم في تركيا خاصة في ظل وجود رفض لقانون الإعدام من حزب المعارضة الرئيسي الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي ذو الأغلبية الكردية ستسعى للمماطلة في استصدار القانون بحجة التوافق التام عليه إلى أن تهدأ الغضبة الشعبية ثم تبدأ بتأجيج النقاش حول الموضوع حتى تهيئ الرأي العام لخطورة فرض مثل هذا القانون على مصالح تركيا وسمعة تركيا الحديثة فتعدل عنه ولكن تطمأن المواطن بفرض أشد العقوبات على المنقلبين بل وفرض شروط اعتقال قاسية جدا عليهم لكن دون الوصول لحكم وإلا فإن تركيا في موقف لا تحسد عليه في حال إقرار قانون الإعدام مع أو دون تنفيذه .

عن الكاتب

م. معين نعيم

باحث وكاتب مختص في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس