
مظفر شفق - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
الشرق الأوسط يغلي من جديد. لكن هذه المرة، الصورة ليست مألوفة.
فعلى مدى سنوات طويلة، كانت الدول العربية وإيران والعناصر الوكيلة هي مركز الصراعات في المنطقة. أما اليوم، فيبرز محور أكثر هدوءًا لكنه أشد خطورة: تركيا وإسرائيل.
هاتان الدولتان ليستا في حالة حرب مباشرة. بل إن مثل هذا الاحتمال لا يُطرح علنًا. لكن الواقع الميداني يشير إلى صورة مختلفة. فالتنافس المستتر الذي يتقدم خصوصًا عبر الساحة السورية وصل الآن إلى مستوى لا يمكن تجاهله.
فبينما تُظهر تركيا حضورًا نشطًا في الميدان بذريعة أمن الحدود والاستقرار الإقليمي، تواصل إسرائيل عملياتها في الجغرافيا نفسها تحت دعوى أولوياتها الأمنية الخاصة. والمشكلة هنا أن هاتين الاستراتيجيتين بدأتا تتقاطعان تدريجيًا في المساحات ذاتها.
هذا ليس حربًا تقليدية؛ بل هو استعراض قوة يجري على ساحة الوكالة. لكن التاريخ أظهر لنا مرارًا ما يلي:
حين يبقى فاعلان قويان في الساحة نفسها لفترة طويلة، فإن خطر المواجهة المباشرة بينهما يظهر عاجلًا أم آجلًا.
الدولة التي تنتج تأثيرًا هجوميًا: إسرائيل
لفهم إسرائيل، لا يكفي النظر إلى مساحتها الجغرافية أو عدد سكانها. فالقضية الأساسية هي قدرتها على إنتاج التأثير.
جرأتها العملياتية المثيرة للجدل
أساليبها التي لا تتردد في تجاوز حدود القانون الدولي
فعاليتها الكبيرة في استخدام القوة غير المتكافئة
إن التدخل ضد أسطول مساعدات في شرق المتوسط، على بعد آلاف الكيلومترات من إسرائيل، قبالة سواحل كريت وفي المياه الدولية، يُعد مثالًا صارخًا على هذا النهج.
لكن ما يلفت الانتباه هنا ليس العملية نفسها فقط؛ بل ضعف رد الفعل الصادر عن دول المنطقة.
إن محدودية رد فعل النظام الدولي وصمت الفاعلين الإقليميين يوجهان الرسالة التالية بوضوح:
«أتدخل عندما أرى ذلك ضروريًا»!
أما الذين لا يقرؤون هذه الرسالة بشكل صحيح، فقد يقعون تحت تأثيرها في المستقبل القريب حتى وإن لم يكونوا هدفًا مباشرًا.
الخطر الحقيقي بالنسبة إلى تركيا: التراخي
إن التقدم الذي حققته تركيا في مجال الدفاع لا جدال في أهميته. لكن تحول هذه النجاحات إلى خطاب يتكرر باستمرار قد يولد خطرًا استراتيجيًا.
فالقوة الحقيقية:
تُختبر باستمرار
وتُقارن باستمرار
وتُحدّث باستمرار
إن خطاب «نحن أقوياء» قد يتحول بعد فترة إلى مجرد تصور إذا لم يُقَس فعليًا.
إن مؤسسات تركيا وأنظمتها لا تنتج القيمة لأنها فقط «محلية ووطنية»، بل لأنها تنافسية بالفعل.
الصورة الأكبر: شرق أوسط يتغير
من الواضح جدًا أن القضية في الشرق الأوسط لم تعد مجرد حرب.
توازنات الطاقة تتغير
التحالفات الإقليمية تصبح أكثر مرونة
الهشاشة الداخلية تتزايد
كما أن الإشارات التي أرسلتها الإمارات العربية المتحدة بشأن سياسات الطاقة تُظهر أن هذا التحول لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الأبعاد الاقتصادية والسياسية.
لقد تشكل الشرق الأوسط لسنوات طويلة في مركز منظومات المصالح العالمية. وكانت استمرارية إمدادات الطاقة تتقدم في معظم الأحيان على خطاب الديمقراطية. وبعبارة أخرى، لم تكن القيم هي المحدد، بل المصالح.
وفي هذا السياق تحديدًا، يلفت تطور مهم آخر الانتباه: الإشارات التي أرسلتها الإمارات العربية المتحدة بشأن إمكانية انسحابها من «أوبك». فقد تبدو مثل هذه التصريحات، للوهلة الأولى، قرارًا تقنيًا أو اقتصاديًا. لكن سياسة الطاقة في الشرق الأوسط لم تكن يومًا مجرد طاقة فقط.
لأن هذه المنطقة كانت لعقود طويلة مركزًا ليس فقط للحروب، بل أيضًا لمنظومات المصالح العالمية.
وقد تشكل الشرق الأوسط لفترة طويلة باعتباره مجال نفوذ للقوى الخارجية. ولم يكن من قبيل الصدفة ألا تُواجَه المعايير الديمقراطية المحدودة في كثير من دول المنطقة باعتراضات مرتفعة الصوت. إذ إن استمرارية إمدادات الطاقة كانت تتقدم على خطاب الديمقراطية.
وبعبارة أخرى، انتصرت المصالح لا القيم.
الديمقراطية والهشاشة والتأثير الخارجي
إن أضعف نقطة لدى العديد من دول المنطقة ليست قدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل هشاشة بنيتها الإدارية.
فالأنظمة التي تكون فيها مشاركة الشعب في الحكم محدودة، وتكون فيها المساءلة ضعيفة، تكون أكثر انفتاحًا على التدخل الخارجي. لأن عمليات اتخاذ القرار تتشكل داخل دائرة ضيقة، ويمكن توجيه هذه البنية بسهولة عبر التأثيرات الخارجية.
الديمقراطية ليست حلًا بحد ذاتها.
لكن يبدو أيضًا أن إيجاد حل دائم غير ممكن في غياب الديمقراطية.
وعندما تبدأ هذه البنية الهشة بالتصدع، فإن المطالب المجتمعية المترافقة مع التقلبات الاقتصادية قد تدفع المنطقة إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار.
الرسالة التي يجب قراءتها
إن تدخلات إسرائيل العابرة للحدود والتي تدفع بالمعايير القانونية إلى أقصاها، ليست مجرد تحركات عسكرية.
بل هي أيضًا استعراض للقدرة واستراتيجية لتوسيع المجال النفسي.
ومثل هذه التحركات تمثل اختبارًا لجميع الفاعلين في المنطقة.
أما بالنسبة إلى تركيا، فالقضية ليست مجرد الرد على هذه التحركات؛
بل قراءة ما تعنيه هذه التحركات بصورة صحيحة.
النتيجة: قوة أم توازن؟
في الوقت الراهن، تبقى احتمالات وقوع صدام مباشر بين تركيا وإسرائيل منخفضة. لكن هذا الخطر لم يختفِ تمامًا.
فأي حساب خاطئ في الساحة السورية قد يفتح الباب أمام احتكاك عسكري محدود. ومثل هذه الأزمات قد تتوسع بسرعة إذا لم تُدار بشكل صحيح.
أما السؤال الحقيقي فهو:
هل ستكون تركيا في هذه المعادلة الجديدة مجرد قوة، أم فاعلًا صانعًا للتوازن؟
لأن القضية في الشرق الأوسط لم تعد فقط من سيهزم من؛
بل من سيحدد النظام الإقليمي.
وتركيا تقف تمامًا في مركز هذا السؤال.
لقد أصبح القوي في هذه الجغرافيا ليس خيارًا بل ضرورة.
لكن العامل الحاسم الحقيقي ليس القوة ذاتها؛ بل كيفية استخدامها.
والقوة الحقيقية ليست تلك التي يجري الحديث عنها، بل تلك التي تُستخدم بصمت عند الحاجة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











