
د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس
الكرم لباب الأخلاق الفاضلة ومدارج الفضيلة، وُصِفَت الأخلاق به، وشرفت بالانتساب إليه من باب إضافة الصِّفة للموصوف، فكُلُّ شيء يشرف في بابه يوصف به (الحاشدي، ص 157)، وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم : أحسن النَّاس، وأجود الناس، وأشجع النَّاس (البخاري، رقم: 3040). وعن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيءٍ ـ قَطُّ. فقال: لا (البخاري، رقم: 6034).
ولقد كان كرم السلطان صلاح الدين الأيوبي أظهر من أن يُسطَّر، وأشهر من أن يُذكر، لكن نُنَبِّه عليه جملة، وذلك: أنه مَلَكَ ما ملك ومات؛ ولم يوجد في خزائنه من الفضة إلا سبعة وأربعون درهماً ناصرية، ومن الذهب إلا جُرم واحد صُوْري (ابن شداد، ص 70). وقد اشتهر صلاح الدين بالكرم، وزَّع ما احتوته قصور الفاطميين من جواهر، وأموال على أمرائه، وأصحابه، ولم يحتفظ لنفسه بشيءٍ، وكان يهب الأقاليم، فعندما فتح امد طلبها منه «قرا أرسلان» فأعطاها إياه (ابن شداد، ص 70). يُعطي في وقت الشدَّة كما يُعطي في وقت السَّعة. وقال مَرَّةً وهو يُعبِّر عن كرمه: والله لو وهَبْتُ الدنيا للقاصد الامل؛ لما كنت استكثرها له، ولو استفرغتُ له جميع ما في خزانتي؛ لما كان عوضاً ممَّا أراقه من حُرِّ ماء وجهه في استمناحه إيايَّ (طقوش، ص 221).
وكان من شدَّة كرمه: أنَّه إذا علم أنَّ في خزائنه مالاً؛ لا يستطيب تلك الليلة؛ حتى يُفَرِّقَ هذا المال جوداً، وإذا منح إنساناً مالاً، ثم قيل له: إن هذا القدر لا يكفيه؛ زاده الضعف ولا يرى شيخاً إلا ويرق له ويعطيه (طقوش، ص 221)، ويحسن إليه، وما أُحضر بين يديه يتيمٌ إلا وترحَّم على والديه، وجبر قلبه، ومصابه، وأعطاه، وإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه؛ سلَّمه إليه، وإلا أبقى له من الخير ما يكفي حاجته، وسلَّمَه إلى من يعتني بتربيته، ويكفلها.
وقد وصف العماد الأصفهاني كرمه، فقال: كان بإخراج ما يدخل من الأموال في المكرمات، والغرامات مغرماً. وكان يجود بالمال قبل الحصول، ويقطعه عن خزانته بالحوالات عن الوصول، فإذا عرف بوصول حِمْل؛ وقع عليه بأضعافه، ولاجَبَهَ أحداً بالردِّ إذا سأله، بل يلطف له كأنَّه استمهله، ويقول ما عندنا شيء الساعة (الكاتب، ص 629). ويعطي فوق ما يؤمِّل الطالب، ويبسط وجهه للمعطي بسط من لم يعطه شيئاً (ابن شداد، ص 49)، وقد قُدِّر ما وهبه من الخيل للحاضرين معه في الجهاد مدَّة ثلاث سنين منذ أن نزل الفرنج على عكَّا في رجب سنة 585هـ إلى يوم انفصالهم بالسِّلم في شعبان سنة 588هـ باثني عشر ألف رأس من حصان، وحِجْرٍ، وإكديش طِمِرٍّ. ويعلِّق ابن شداد على ذلك بقوله: ومن شاهد عطاياه؛ يستقل هذا القدر.
هذا بالإضافة إلى ما كان يطلقه من المال من أثمان الخيل المصابة في القتال؛ لأنه ما عُقر في سبيل الله فرسٌ، أو جُرح؛ إلا وعوَّض مالكه بمثله، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب، أو موعود به، وصاحبه ملازم في طلبه (طقوش، ص 222).
وقد توفي؛ ولم يحفظ عنده ما يجب فيه الزكاة؛ لأنَّ صدقة التطوع استنزفت جميع ما ملكه من الأموال. وقد ملك ما ملك، ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً، وديناراً واحداً ذهباً، ولم يخلف داراً، ولا عقاراً، ولا بستاناً، ولا قرية، ولا مزرعة، ولا شيئاً من أنواع الأملاك. وهذا دليلٌ واضح على شدَّة كرمه (طقوش، ص 222). وقال القاضي ابن شدَّاد: وسمعت منه يوماً يقول في معرض حديثٍ جرى: يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كمن ينظر في التُّراب. فكأنه أراد بذلك نفسه (ابن شداد، ص 71).
المصادر والمراجع:
1. ابن شداد، بهاء الدين. سيرة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية).
2. الشيزري، عبدالرحمن بن عبدالله بن نصر. المنهج المسلوك في سياسة الملوك.
3. طقوش، محمد سهيل. تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام.
4. الحاشدي، فيصل بن عبده قائد. الأخلاق بين الطبع والتطبع.
5. الكاتب، عماد الدين. الفتح القسي في الفتح القدسي.
6. الصلابي، علي محمد. صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













