كرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد الدول الكبرى مؤثرة بقوتها العسكرية وحدها، بل أيضًا من خلال ما تستطيع تشييده من هندسة عالمية للنفوذ. ورغم أن المسار التاريخي الذي مرت به بعض الدول الغربية الكبرى خلال المئتي عام الماضية يتضمن تفاصيل جديرة بالتأمل من هذه الزاوية، فإن السجل الاستعماري المظلم لمعظمها، إلى جانب ضعف رصيدها في الدبلوماسية الإنسانية، يجعل الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه منها مقتصرًا على تحليل الاستراتيجيات والتكتيكات والتطبيقات التي انتهجتها. ولذلك، فإن القضية الجوهرية تتمثل في قراءة الكيفية التي بنت بها الدول الكبرى نفوذها العالمي من خلال أدواتها المؤسسية.

ومن هذا المنظور، فإن تركيا، بما تمتلكه من ذاكرة تاريخية واسعة تمتد من العهد العثماني إلى يومنا هذا، وفي ظل القيادة القوية والحازمة وصاحبة الرؤية لرئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، قطعت لأول مرة منذ 150 عامًا هذه المسافة التاريخية في مسار بناء عمارتها العالمية للنفوذ، عبر استراتيجية مؤسسية عميقة ومتعددة الأبعاد. وخلال ربع القرن الأخير، ارتقت تركيا إلى مكانة الدولة المركزية التي تمتلك مجالات تأثير دبلوماسية واقتصادية وعسكرية وثقافية وإنسانية تمتد من البلقان إلى القوقاز، ومن إفريقيا إلى الخليج والشرق الأوسط، ومن آسيا الوسطى إلى جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.

ولم يكن هذا الصعود ثمرة مهارة عابرة في السياسة الخارجية، بل هو هندسة استراتيجية متعددة الطبقات، شُيدت من خلال دبلوماسية القادة، والقدرة المؤسسية، والصناعات الدفاعية، والدبلوماسية الإنسانية، وممرات التجارة.

ويتمثل العمود الأول لهذه الهندسة في الانفتاح الدبلوماسي. فقد وسعت تركيا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية آفاق سياستها الخارجية إلى مستوى عابر للقارات، عبر السفارات والقنصليات والمنصات متعددة الأطراف، ومن خلال دبلوماسية القادة التي يقودها الرئيس أردوغان. ويبرهن الانفتاح على إفريقيا، والاتصالات مع أمريكا اللاتينية، ومنظمة الدول التركية، والعلاقات الجديدة مع دول الخليج، والدبلوماسية النشطة في البلقان والقوقاز، على أن تركيا أصبحت دولة تسهم في تشكيل التطورات في محيطها.

أما العمود الثاني فهو الصناعات الدفاعية والقدرة الأمنية. فقد عززت القدرات التي طورتها تركيا، من الطائرات المسيّرة إلى أنظمة الحرب الإلكترونية، ومن المنصات البحرية إلى مشاريع الدفاع الجوي، ومن الأنظمة البرية إلى تقنيات الذخائر، تأثير السياسة الخارجية على أرض الواقع. ولم تعد الصناعات الدفاعية مجرد قطاع يلبي الاحتياجات الأمنية، بل أصبحت واحدة من أكثر أدوات الهندسة العالمية للنفوذ التركي فاعلية، عبر الصادرات، ونقل التكنولوجيا، والتدريب العسكري، والإنتاج المشترك، والشراكات الاستراتيجية.

ويتمثل العمود الثالث في الدبلوماسية الإنسانية وشراكات التنمية. فقد أسهمت الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)، وهيئة إدارة الكوارث والطوارئ (آفاد)، والهلال الأحمر التركي، ومؤسسة المعارف، ومعهد يونس أمره، والأنشطة الدولية لرئاسة الشؤون الدينية، وبرامج المنح الدراسية، ودبلوماسية الصحة، في تمكين تركيا من بناء علاقات ليس مع الدول فحسب، بل مع المجتمعات أيضًا في مناطق عديدة من العالم. وتكمن خصوصية النموذج التركي في أنه لا يقوم على عقلية استعمارية، بل على الاحترام المتبادل، والتنمية المشتركة، والروابط التاريخية.

أما العمود الرابع فهو النقل والطاقة وممرات التجارة. فتركيا توظف موقعها الجغرافي عند ملتقى ثلاث قارات بوصفه رافعة استراتيجية فعالة. ويحول الممر الأوسط، ومشروع طريق التنمية، وربط زنغزور، وخطوط الطاقة، والموانئ، والمطارات، والمراكز اللوجستية، والشبكة العالمية للخطوط الجوية التركية، القدرة المادية لتركيا على الوصول إلى قوة استراتيجية.

ويتمثل العمود الخامس في التأثير الثقافي والفكري. فالمسلسلات التلفزيونية، والسينما، وفنون الطهي، والبرامج التعليمية، والعلاقات الأكاديمية، ووسائل الإعلام، ومراكز الفكر، والروابط الدينية والتاريخية، كلها عناصر من القوة الناعمة التي تعزز حضور تركيا. واليوم، فإن تزايد الاهتمام بتركيا في البلقان، وآسيا الوسطى، والعالم العربي، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، هو نتيجة دخول تجربة تركيا التنموية، ونجاحها الدفاعي، وطموحها القيادي، وذاكرتها الحضارية إلى الفضاء العالمي.

ومن هذه الزاوية، تشكل قمة الناتو 2026 محطة تاريخية. فهذه القمة تمثل منعطفًا استراتيجيًا أصبح فيه واضحًا ما بنته تركيا خلال ربع القرن الأخير من ثقة جيوسياسية بالنفس، وقدرة دفاعية، وهامش حركة دبلوماسي، وشبكة علاقات عالمية. ولم تعد تركيا دولة تقع على أطراف الناتو، بل أصبحت واحدة من دوله المركزية فيما يتعلق بأمن أوروبا، وتوازن البحر الأسود، ومحور القوقاز، وأزمات الشرق الأوسط، وأمن الطاقة، وإدارة الهجرة، والإنتاج الدفاعي.

إننا نحول هذه الهندسة، التي شُيدت خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية بعزيمة وإيمان، إلى قدرة دولة دائمة في إطار قرن تركيا. لأن أن تكون دولة كبرى في العالم الجديد لا يعني فقط امتلاك جيش قوي، بل يعني أيضًا بناء الثقة في المناطق الصديقة، والقيام بدور الوسيط في مناطق الأزمات، والوصول إلى الأسواق العالمية المهمة، وكسب التعاطف بين الشعوب، والتمثيل القوي في المؤسسات الدولية، والإنتاج في مجال التكنولوجيا، والقدرة على رسم قواعد اللعبة في الدبلوماسية.

وسنشهد جميعًا إلى أي مدى ستنقل الرؤية القوية لرئيس جمهوريتنا أردوغان، الذي يقود بعزم كبير بناء هذه الهندسة العالمية للنفوذ، التي أكسبت تركيا هذا القدر من الصدى والاعتبار الدولي، بلادنا خلال الفترة 2028-2033 إلى موقع "الدولة التي ترسم قواعد اللعبة وتصنع التوازنات" في النظام العالمي الجديد.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس