ترك برس

في جنوب غربي تركيا، وعلى بعد نحو 17 كيلومترًا شمال ولاية دنيزلي، تتجسد واحدة من أكثر الوجهات الطبيعية والأثرية إبهارًا في العالم، حيث تلتقي روعة الطبيعة بإرث الحضارات القديمة في موقع استثنائي يضم مدرجات باموق قلعة الكلسية البيضاء ومدينة هيرابوليس الأثرية. 

ويستقطب الموقع قرابة مليوني زائر سنويًا، ويُعد من أبرز المعالم المدرجة على قوائم الأماكن التي يُنصح بزيارتها مرة واحدة على الأقل في العمر، كما أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على قائمة التراث العالمي الثقافي والطبيعي.

وتشكل مدرجات باموق قلعة لوحة طبيعية نادرة رسمتها الينابيع الحرارية عبر آلاف السنين، إذ تؤدي ملامسة المياه الغنية بالمعادن للهواء إلى ترسب كربونات الكالسيوم، مكوّنة طبقات بيضاء تشبه الشلالات المتجمدة، تتخللها برك متدرجة تعكس زرقة السماء في مشهد فريد. 

وقد عُرفت هذه الينابيع بخصائصها العلاجية منذ العصر الروماني، وظلت مقصدًا للراغبين في الاستشفاء والاستجمام حتى يومنا هذا.

وإلى جوار هذه الأعجوبة الطبيعية، تقف أطلال مدينة هيرابوليس شامخة منذ أكثر من ألفي عام، شاهدة على مكانة المنطقة مركزًا للعلاج والعبادة والحياة المدنية. 

وتشير المصادر التاريخية إلى أن المدينة أسسها الملك يومينيس الثاني من مملكة برغاما خلال القرن الثاني قبل الميلاد، ويُعتقد أنها سُمّيت نسبة إلى الملكة الأسطورية هيرا زوجة تيليفوس، مؤسس برغاما الأسطوري.

واكتسبت هيرابوليس منذ نشأتها شهرة واسعة باعتبارها مدينة للينابيع العلاجية، إذ كان المرضى والباحثون عن الصحة والجمال يتوافدون إليها من مختلف أنحاء الأناضول للاستفادة من مياهها المعدنية التي اعتُقد بقدرتها على الشفاء. 

ولا تزال هذه المكانة قائمة حتى اليوم، حيث يمكن للزوار السباحة في بعض البرك الحرارية التي استخدمها سكان العالم القديم، بينما تتيح المنتجعات الحرارية المحيطة بالموقع الإقامة والاستمتاع بالعلاجات المائية والحمامات الطينية وجلسات التدليك. 

ونظرًا لهشاشة التكوينات الكلسية التي استغرقت آلاف السنين لتتشكل، فقد فُرضت إجراءات صارمة لحمايتها، ولا يُسمح للزوار إلا بالسير في مناطق محددة والاستحمام في أجزاء معينة منها.

وتُعد هيرابوليس من أفضل المدن الأثرية حفظًا في الأناضول، إذ لا تزال معالمها الرئيسية تحتفظ بجزء كبير من هيئتها الأصلية. 

ويبرز في مقدمتها المسرح الروماني الضخم الذي شُيّد في عهد الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس خلال القرن الثالث الميلادي، ويتسع لآلاف المتفرجين، ويتميز بمدرجاته الحجرية الشاهقة ومنصته المزخرفة بالأعمدة الرخامية والنقوش المكرسة للإلهين أبولون وأرتميس، كما ظل مستخدمًا حتى أواخر العصر الروماني.

ويضم الموقع كذلك مجمع الحمامات الرومانية الكبرى الذي كان أحد أهم المراكز العلاجية في المدينة، وتحول اليوم إلى متحف للآثار يضم تماثيل ونقوشًا ومكتشفات أثرية عُثر عليها في حفريات هيرابوليس والمناطق المجاورة، إلى جانب شوارع المدينة المرصوفة، والأغورا (السوق التجارية)، والبوابات البيزنطية، والصالات الرياضية (الجمنازيوم)، والنافورات التذكارية، والمقابر، والبيوت الرومانية، وأنظمة جر المياه، وأسوار المدينة التي تعود إلى العصر البيزنطي.

ومن أبرز معالم المدينة أيضًا معبد أبولون الذي كان يمثل أهم المراكز الدينية في هيرابوليس، وقد كشفت الدراسات الحديثة أن المبنى لم يكن معبدًا تقليديًا فحسب، بل كان أيضًا مركزًا للتنبؤات الدينية. 

وإلى جواره يقع بلوتونيوم، وهو كهف طبيعي تنبعث منه غازات سامة، وكان الرومان يعتقدون أنه بوابة إلى العالم السفلي، فنسجوا حوله العديد من الأساطير التي جعلته من أكثر المواقع إثارة في المدينة.

كما تكشف آثار هيرابوليس عن تطور البنية التحتية في المدن الرومانية، من خلال قنوات المياه والجسور المائية التي كانت تؤمن مياه الشرب، والمراحيض العامة التي تعكس مستوى متقدمًا من التنظيم الصحي والهندسي، فضلًا عن شارع فرونتينوس الذي شكل الشريان الرئيسي للمدينة، والسوق التجارية التي أُعيد تنظيمها بعد الزلزال الكبير الذي ضرب المنطقة عام 60 ميلادية في عهد الإمبراطور نيرون.

ولم تقتصر أهمية هيرابوليس على الحضارة الرومانية، بل أصبحت لاحقًا أحد أبرز المراكز الدينية للمسيحية في آسيا الصغرى. وتعود هذه المكانة إلى مقتل القديس فيليب، أحد الحواريين الاثني عشر للسيد المسيح، في المدينة نحو عام 80 ميلادية أثناء تبشيره بالمسيحية. 

وبعد أن أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية، شُيد فوق موقع استشهاده مارتيريوم القديس فيليب، وهو مبنى مثمن الأضلاع يتوسطه قبر القديس، ويضم مصليات للصلاة وممرات مزينة بالرخام والفسيفساء، وأصبح مقصدًا للحجاج عبر القرون، ولا تزال العديد من الكنائس حتى اليوم تحتفل بعيده الديني.

وتضم المدينة كذلك الكاتدرائية البيزنطية التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، وتتميز بحوض التعميد الرخامي، ومقاعد رجال الدين، وتصميمها المعماري الذي يعكس مكانة هيرابوليس مركزًا كنسيًا بارزًا خلال العصر البيزنطي، إلى جانب عدد كبير من الكنائس والأبنية الدينية المنتشرة في أنحاء المدينة.

وعلى امتداد تاريخها، تعرضت هيرابوليس لسلسلة من الزلازل، كان أعنفها زلزال عام 60 ميلادية، الذي دمر أجزاء واسعة منها، قبل أن يعاد بناؤها وفق الطراز الروماني، لتفقد تدريجيًا ملامحها الهلنستية الأولى وتتحول إلى مدينة رومانية متكاملة. 

واستمرت المدينة مركزًا دينيًا وإداريًا مهمًا خلال العصر البيزنطي، قبل أن تنتقل إلى الحكم التركي في أواخر القرن الثاني عشر.

واليوم، لا تمثل باموق قلعة وهيرابوليس مجرد موقع سياحي يجمع بين الطبيعة والآثار، بل تشكلان سجلًا حيًا لتاريخ يمتد لأكثر من ألفي عام، حيث تتجاور ينابيع الشفاء مع المعابد والمسارح والكنائس والقصور، في مشهد يجسد تعاقب الحضارات على الأناضول، ويمنح الزائر تجربة فريدة تجمع بين جمال الطبيعة وثراء التاريخ في أحد أبرز مواقع التراث العالمي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!