خليل كايا - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس

في 30 يوليو/تموز 2026، أعادت موجة الهجرة غير النظامية الجماعية غير المسبوقة نحو سبتة، الجيب الإسباني الواقع على الساحل الشمالي لأفريقيا، أنظار الرأي العام الدولي مرة أخرى إلى هذه المنطقة الهشة من حوض البحر المتوسط.

فقد نجح ما يقرب من 100 ألف شخص، خلال أيام قليلة، في عبور الحدود البرية والبحرية والوصول إلى سبتة، قبل أن تدفع مدريد بالجيش إلى الميدان وتشرع في إقامة حواجز عائمة بطول 500 متر في البحر. ومع مقتل أكثر من مئة شخص خلال هذه الأحداث، تحولت الأزمة سريعًا إلى قضية ذات أبعاد دولية.

ورغم أن إعادة عشرات الآلاف إلى المغرب خلال أيام أسهمت في إبعاد الأزمة عن صدارة اهتمام وسائل الإعلام الرئيسية، فإن التطورات الأخيرة على الأرض تشير إلى أن الأوضاع بعيدة عن العودة إلى طبيعتها.

فما جرى لا يمكن اختزاله في ثغرة أمنية نجمت عن نشاط شبكات تهريب البشر أو دعوات انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ذلك أن خط الحدود في سبتة ومليلية يشكل، في جوهره، صدعًا جيوسياسيًا عالي التوتر، تتقاطع عنده الانقسامات التاريخية بين مدريد والرباط والجزائر، وجيوسياسة الطاقة، وعقدة الصحراء الغربية، فضلًا عن الإرث الاستعماري الأوروبي القديم في القارة الأفريقية.

الحرب الباردة في المغرب العربي وسعي مدريد إلى التوازن

لفهم توقيت أزمة سبتة وديناميات انفجارها، لا بد من النظر إلى العلاقة غير المتكافئة التي تربط محور مدريد–الرباط بالجزائر.

ففي عام 2022، أدى دعم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لخطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب للصحراء الغربية إلى خلق أجواء من الانفراج المصطنع في العلاقات بين مدريد والرباط، لكنه في الوقت نفسه أطاح بالتوازن التقليدي القائم على «الحياد» في سياسة إسبانيا تجاه منطقة المغرب العربي.

وبما أن الجزائر لا تنظر إلى قضية الصحراء الغربية باعتبارها مسألة تقرير مصير فحسب، بل بوصفها إحدى أبرز ساحات الصراع على النفوذ الإقليمي، فقد ردت بقوة على الخطوة الإسبانية، من خلال إعادة هيكلة إمدادات الغاز وتعليق «معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون» التي كانت قد وقعتها مع مدريد قبل عشرين عامًا.

غير أن حالة عدم اليقين التي تخيم على أسواق الطاقة العالمية، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية لسنوات، فضلًا عن الحرب التي اندلعت في الخليج في 20 مارس/آذار، أجبرت مدريد على إعادة بناء الجسور مع الجزائر.

وقبيل اندلاع الأزمة، بدأت حكومة سانشيز مسارًا لتطبيع العلاقات مع الجزائر، بالتوازي مع اتخاذ خطوات لزيادة واردات إسبانيا من الغاز الطبيعي الجزائري، وهو ما أثار استياءً واضحًا في الرباط.

ومن منظور دوائر الأمن المغربية، بدت مدريد وكأنها تتراجع عن التزاماتها التي قطعتها عام 2022، وتتجه إلى ترميم علاقاتها مع الجزائر وإعادة النظر في موقعها داخل معادلة الصحراء الغربية.

وفي أعقاب هذا التحول الدبلوماسي والانفتاح على الجزائر، جاء تخفيف الرقابة على حدود سبتة ليؤكد مجددًا أن الهجرة يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط دبلوماسي غير متكافئة في العلاقات بين الدول.

ولهذا، ذهبت بعض الأوساط إلى اعتبار أحداث سبتة في 30 يوليو/تموز 2026 رسالةً من الرباط إلى مدريد، على غرار أزمة الحدود التي اندلعت في مايو/أيار 2021 عقب استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج باستخدام جواز سفر جزائري.

أمننة الهجرة والكلفة الإنسانية غير المرئية

رغم مرور أسابيع على الأزمة، فإن الصورة على الأرض تناقض إلى حد بعيد الرواية الرسمية التي تؤكد استعادة السيطرة.

فقد أوقفت السلطات المغربية 111 شخصًا في مدينة الفنيدق القريبة من سبتة، في محاولة لمنع موجات عبور جديدة جرى تنظيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أخضعت المنطقة لرقابة أمنية مشددة، ما يشير إلى أن التوتر على جانبي الحدود لم يتراجع فعليًا.

وكالعادة، تتحمل الفئات الأضعف الكلفة الأكبر للنهج الأمني.

ففي خضم المأساة التي رافقت محاولات عبور الحدود، دُفنت جثامين 18 مهاجرًا في مقابر سبتة تحت شواهد تحمل أرقامًا فقط، قبل استكمال تحديد هوياتهم، وهو ما يكشف أن دعوات منظمات المجتمع المدني لتسليم الجثامين إلى عائلات أصحابها لم تلقَ استجابة كافية.

وفي المقابل، ورغم إعادة معظم المهاجرين البالغين خلال أيام، بقي مئات الأطفال غير المصحوبين بذويهم في سبتة في ظروف بالغة الصعوبة، إذ لا يسمح القانون الإسباني والاتفاقيات الدولية بترحيلهم مباشرة عبر الحدود.

وأدى تجاوز مراكز الاستقبال طاقتها الاستيعابية إلى تفاقم أزمة الإيواء، وزيادة مخاطر انتشار الأمراض، فضلًا عن جعل الأطفال أكثر عرضة لمختلف أشكال الاستغلال الجسدي والنفسي.

كما أفضت الأزمة إلى تصدع سياسي داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، إذ علقت إيطاليا مؤقتًا تطبيق اتفاقية شنغن مع إسبانيا، في خطوة احتجت عليها حكومة سانشيز بشدة، ما كشف مرة أخرى هشاشة البنية الأوروبية المشتركة في ملفات اللجوء والهجرة.

إرث استعماري عتيق: سبتة ومليلية

تكمن الخلفية البنيوية الأعمق للأزمة في الوضع التاريخي غير المألوف لهذين الجيبين اللذين لا يزالان قائمين في شمال القارة الأفريقية حتى القرن الحادي والعشرين.

فعلى الرغم من أن الدستور الإسباني يصنف سبتة ومليلية باعتبارهما «مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي»، فإن المغرب وعددًا من الأوساط الأفريقية ينظران إليهما بوصفهما من آخر بقايا الحقبة الاستعمارية التي لم تُصفَّ بعد.

وقد أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، عقب الأزمة مباشرة، طرح هذه المسألة حين ذكّر بما تعتبره الرباط حقوقًا تاريخية وجغرافية للمغرب في سبتة ومليلية، داعيًا إلى إنشاء آلية حوار ثنائية تبحث انضمام المدينتين إلى المغرب.

وتكشف هذه الدعوة مرة أخرى عن الهدف النهائي الذي تتطلع إليه الرباط.

أما مدريد، فرفضت الطرح بشكل قاطع، معتبرة إياه مساسًا بسيادتها ووحدة أراضيها، وهو ما يلخص بوضوح نقطة الانسداد التي وصل إليها الوضع القائم.

واليوم، يواجه الجيبان مفارقتين أساسيتين.

فمن ناحية، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه عالقًا في مأزق سياسة «تصدير إدارة الحدود» إلى الخارج، إذ يعتمد بشكل كبير على الأجهزة الأمنية المغربية، بوصف المغرب دولة عبور، لحماية الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي في أفريقيا، مقابل تمويل بمليارات اليوروهات.

وبهذا المعنى، تكون أوروبا قد وضعت عمليًا مفتاح الحدود التي تؤكد دولة عضو فيها، هي إسبانيا، سيادتها عليها، في يد الإرادة السياسية للرباط.

ومن ناحية أخرى، هناك واقع مدينتين معزولتين عن عمقهما الجغرافي الطبيعي، بعد تشديد المغرب القيود على التجارة الحدودية ومسارات التهريب، في وقت طغت فيه مشروعات عملاقة، مثل ميناء طنجة المتوسط، على الأهمية الاقتصادية التقليدية للجيبين.

وهكذا أصبحت سبتة ومليلية تعتمدان بدرجة متزايدة على دعم الميزانية الإسبانية، فيما تتجهان تدريجيًا إلى اكتساب طابع أشبه بالحاميات العسكرية المعزولة.

السيناريوهات المحتملة لمستقبل الجيبين

يبدو من الواضح أن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.

وخلال المرحلة المقبلة، يمكن رصد ثلاثة مسارات رئيسية قد تشكل مستقبل سبتة ومليلية.

السيناريو الأول يتمثل في سعي إسبانيا إلى توسيع مظلة ضمانات حلف شمال الأطلسي «الناتو» لتشمل المدينتين بشكل كامل، بالتوازي مع بناء حواجز بحرية وتعزيز الحدود بتقنيات متطورة، بما يحولهما إلى قاعدتين عسكريتين شبه مغلقتين على محيطهما.

غير أن مثل هذا المسار لن يؤدي، على الأرجح، إلا إلى تكريس أزمات الحدود وتحويل المآسي الإنسانية إلى ظاهرة مزمنة.

أما السيناريو الثاني، وربما الأكثر عقلانية، فيقوم على التفاوض بشأن نموذج إداري هجين بين المغرب وإسبانيا، قد يتضمن أشكالًا من السيادة المشتركة، والاتحاد الجمركي، وحرية التنقل، على نحو يذكّر من بعض الجوانب بالنقاشات المتعلقة بجبل طارق الخاضع للسيادة البريطانية.

ورغم أن مثل هذا الخيار يبدو صعبًا على المدى القصير في ظل ضغوط اليمين المتطرف داخل السياسة الإسبانية، فإن التحولات الديموغرافية والحقائق الجغرافية قد تدفع مدريد، على المدى الطويل، إلى الجلوس إلى طاولة من هذا النوع.

فالمغاربة المسلمون يشكلون بالفعل نسبة تقترب من نصف سكان المدينتين، وهو عامل ديموغرافي يضاف إلى الارتباط الجغرافي المباشر بالمغرب.

أما الاحتمال الثالث، فيتمثل في أن تؤدي سياسات الضغط الاقتصادي والديموغرافي والعزل الدبلوماسي التي يتبعها المغرب إلى تحول الجيبين من مكسب استراتيجي لإسبانيا إلى عبء اقتصادي وسياسي متزايد، بما قد يفتح الطريق في نهاية المطاف أمام عملية طويلة وتدريجية لنقل السيادة على غرار نموذج هونغ كونغ.

وهذا هو السيناريو الذي يبدو الجانب المغربي أكثر ميلًا إليه.

الخلاصة

إن التعامل مع أزمة سبتة باعتبارها مجرد حادث حدودي ذي طابع إنساني أو أمني يعني تجاهل صراعات القوة البنيوية التي تشكل منطقة المغرب العربي وحوض البحر المتوسط.

فالأزمة تعكس معادلة غير متكافئة تصطدم فيها ارتباطات إسبانيا البراغماتية بالجزائر، التي تفرضها اعتبارات أمن إمدادات الطاقة، مباشرةً مع حسابات المغرب المتعلقة بالصحراء الغربية والنفوذ الإقليمي.

كما أن قدرة الرباط على توظيف الهجرة أداةً في السياسة الخارجية، في مواجهة انفتاح مدريد على الجزائر، تكشف بوضوح هشاشة سياسة الاتحاد الأوروبي القائمة على إسناد أمن حدوده إلى دول العبور، وما تخلقه هذه السياسة من تبعية استراتيجية.

ورغم عدم توفر معطيات كافية للجزم بأن أزمة سبتة كانت تحركًا مباشرًا من جانب المغرب، فإن السوابق السابقة تتيح المجال لطرح هذا الاحتمال بجدية.

أما على المدى الطويل، فإن استمرار الوضع الراهن في سبتة ومليلية يبدو أكثر صعوبة في ضوء التحولات الجيوسياسية والديموغرافية.

فحين تتقاطع الإجراءات الاقتصادية المغربية الرامية إلى عزل الجيبين عن عمقهما الجغرافي مع تزايد اعتمادهما المالي على البر الإسباني، تكتسب الأزمات طابعًا دوريًا ومتكررًا.

وفي نهاية المطاف، تكشف أزمة سبتة أن وضع هذين الجيبين، بوصفهما إرثًا متبقيًا من الحقبة الاستعمارية، سيظل أحد أبرز بؤر التوتر في العلاقات بين إسبانيا والمغرب والجزائر، ما دامت عقدة الصحراء الغربية من دون حل.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!