
مروى صونا أوزال أوزجان - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس
تحولت الحرب الروسية الأوكرانية إلى صراع تجاوز في مدته الزمنية الحرب العالمية الأولى، ولم يعد يتوسع من حيث الزمن فقط، بل أيضاً من حيث الجغرافيا وعدد الفاعلين المنخرطين فيه. ومن أجل فهم طبيعة الحرب في مرحلتها الراهنة، لا بد من قراءة هذه الأبعاد الثلاثة مجتمعة.
أولاً، تتسع الحدود المكانية للحرب؛ إذ لم يعد القتال محصوراً في الأراضي الأوكرانية، بل أصبحت البنية التحتية للطاقة في روسيا، ومراكزها اللوجستية، وعمقها الاستراتيجي، جزءاً من ميدان الحرب.
ثانياً، وربما هو البعد الأكثر حساسية في المرحلة الحالية، يتسع الصراع على مستوى الفاعلين.
أما البعد الثالث، فيتمثل في الامتداد الزمني؛ فالحرب التي كان يُعتقد أنها قد تُحسم خلال فترة قصيرة تتحول بصورة متزايدة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
ولذلك، لم يعد السؤال الأساسي اليوم يقتصر على: «إلى أي مدى تقدمت روسيا على الجبهة؟»، بل بات يتمحور حول ما إذا كانت حرب الاستنزاف الحالية ستمتد إلى عام 2027، والأهم من ذلك، ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على الخط الفاصل بين الحرب في أوكرانيا ومعادلة الردع بين حلف شمال الأطلسي وروسيا.
وقد ظهرت ملامح جزء مهم من الإجابة عن هذا السؤال خلال قمة الناتو الأخيرة. ففي خطاب الأمين العام للحلف مارك روته، برز التركيز على استدامة القدرات العسكرية الأوكرانية واستمرار الدعم خلال المرحلة المقبلة، أكثر من الحديث عن الدبلوماسية والوساطة.
ويكشف هذا التوجه أن الغرب يركز، في المدى القصير، على الحفاظ على قدرة أوكرانيا على مواصلة القتال أكثر من تركيزه على إنهاء الحرب.
وبعبارة أخرى، يبدو أن الناتو لم يعد يتعامل مع احتمال امتداد الحرب إلى عام 2027 باعتباره مجرد سيناريو نظري، بل كخطر أمني حقيقي ينبغي الاستعداد له.
ومن هنا يبرز السؤال: إلى أي عتبة وصلنا؟
فالتطورات التي شهدها الأسبوع الأخير تتجاوز الإيقاع المعتاد للحرب وتشير إلى تحولات مهمة: تصعيد أوكرانيا لهجماتها ضد البنية التحتية الروسية للطاقة والاقتصاد، إعلان موسكو أنها سترد بصورة أكثر قسوة، توسيع بريطانيا وفرنسا دعمهما لقدرات أوكرانيا بعيدة المدى، عودة الحديث عن احتمال تعبئة عسكرية روسية جديدة، التحركات العسكرية على الجناح الشرقي للناتو، وفي الوقت نفسه زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى موسكو.
كل ذلك يشير إلى أن الحرب تقترب من عتبة جديدة، ليس فقط على مستوى الجبهة، بل أيضاً على مستوى الردع الاستراتيجي.
1. أوكرانيا تنقل الحرب إلى الداخل الروسي
يتغير البعد المكاني للحرب.
فأوكرانيا لم تعد تستهدف فقط مناطق خلف خطوط الجبهة، بل باتت تضرب بصورة منهجية عناصر الاقتصاد الحربي الروسي، من منشآت الطاقة واللوجستيات إلى الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي.
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد أعلن، مع اقتراب صيف 2026، أن بلاده ستغير أساليبها القتالية، وأن الضغط على العمق الاستراتيجي الروسي سيزداد. واليوم نرى الترجمة الميدانية لهذا التوجه.
فمنذ بداية الحرب، حققت أوكرانيا تقدماً سريعاً في مجال الصناعات الدفاعية، ولا سيما في الطائرات المسيّرة الانتحارية والأنظمة غير المأهولة بعيدة المدى. ولم تعد هذه القدرات تُستخدم في خط الجبهة فقط، بل أصبحت موجهة أيضاً إلى أهداف داخل العمق الروسي.
لكن من الضروري هنا التمييز بين أمرين.
فالحرب لا يمكن أن تُخاض بواسطة الطائرات المسيّرة وحدها. صحيح أن المسيّرات تخفض الكلفة، وتوسع مدى الضربات، وتساعد جزئياً على تعويض النقص في القوى البشرية، لكنها لا تزال بحاجة إلى منظومات صاروخية بعيدة المدى ذات قدرة تدميرية أكبر، وإمكانات متطورة للضربات الدقيقة، ودعم استخباراتي عالي المستوى إذا كان الهدف هو تحقيق نتائج استراتيجية.
ومن هنا تحديداً تأتي أهمية الدعم البريطاني والفرنسي في مجال التكنولوجيا والقدرات بعيدة المدى.
ويمكن قراءة الاستراتيجية الأوكرانية الحالية وفق المنطق التالي:
«إذا لم أستطع وقف الجيش الروسي بالكامل على الجبهة، فسأضرب في العمق المنظومات الاقتصادية والطاقة واللوجستية التي تغذيه».
وهذا النهج بالغ الأهمية لفهم التحول المكاني في الحرب.
ويمكن القول إن الاتساع الجغرافي الحقيقي للحرب من المنظور الروسي أصبح أكثر وضوحاً خلال عام 2026. صحيح أن نماذج سابقة مثل عملية كورسك كانت قد ظهرت من قبل، لكن ما نشهده اليوم أكثر انتظاماً واتساعاً.
فالحرب لم تعد تدور فقط على الحدود أو في العمق القريب من الجبهة، بل باتت تُخاض أيضاً ضد البنية التحتية الروسية للطاقة، وأنظمة الدفاع الجوي، والمراكز اللوجستية، وشبكات الحركة الاقتصادية.
وهذا يكشف عن الطابع الجديد للصراع: ما زالت المواجهة العسكرية مستمرة، لكن مركز الثقل ينتقل تدريجياً من العنصر البشري إلى التكنولوجيا، ومن الجبهة إلى العمق الاستراتيجي، ومن الأهداف العسكرية المباشرة إلى القدرات الاقتصادية واللوجستية.
2. اتساع دائرة الفاعلين: من «شراكة العقوبات» مع كوريا الشمالية إلى نقل التكنولوجيا البريطاني
من الجانب الروسي، تُعد كوريا الشمالية بلا شك أحد أبرز الفاعلين في هذا التحول.
أما على الجانب الأوكراني، فإن بريطانيا، وبصورة متزايدة فرنسا، لم تعودا مجرد دولتين تزودان كييف بالسلاح، بل أصبحتا تشاركان بصورة مباشرة في بناء قدرتها على إنتاج وسائل الحرب.
ولهذا، تجاوز اتساع دائرة الفاعلين في الحرب التي بدأت عام 2022 المرحلة التي كان يمكن تفسيرها فقط عبر سؤال: «من يرسل السلاح إلى من؟»
فالمسألة الأساسية اليوم تتمثل في نشوء شبكات مترابطة خلف طرفي الحرب، تضم الإنتاج والتكنولوجيا والطاقة والقوى البشرية.
وهنا ينبغي البدء بكوريا الشمالية.
فبيونغ يانغ ليست الشريك الوحيد لروسيا في مواجهة العقوبات، لكن ما يميزها عن بقية الأطراف هو قدرتها على الاستجابة في آن واحد للاحتياجات العسكرية المباشرة للحرب، عبر الذخائر والصواريخ الباليستية والعناصر العسكرية.
وبذلك يتشكل نمط من «التضامن في مواجهة العقوبات» يقوم على تبادل المصالح: الطاقة الروسية والدعم التكنولوجي والاقتصادي في مقابل الذخائر والصواريخ والقوى البشرية الكورية الشمالية.
ولا يمكن القول إن الأمر يمثل آلية مقايضة رسمية ومباشرة بكل تفاصيلها، لكن الاعتماد المتبادل الذي أفرزته اقتصاديات الحرب بات واضحاً للغاية.
أما التحول الأكثر عمقاً على المستوى النظامي، فيظهر في الجبهة الأوروبية.
فخلال الفترة بين 2022 و2024، قامت مقاربة الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو تجاه أوكرانيا أساساً على نقل الذخائر والدبابات وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ من المخزونات العسكرية القائمة.
وقد ساعد هذا النموذج أوكرانيا على الصمود في السنوات الأولى من الحرب، لكنه كشف في الوقت نفسه مدى محدودية مخزونات الذخيرة لدى الجيوش الأوروبية، التي كانت قد تقلصت أصلاً بصورة كبيرة بعد نهاية الحرب الباردة.
ومنذ 2024 و2025، بدأ تحول مهم في المقاربة الأوروبية.
فلم يعد إرسال الأسلحة من المخزونات القائمة إلى أوكرانيا كافياً، بل أصبح من الضروري إنشاء خطوط جديدة لإنتاج الذخائر والصواريخ، وإقامة آليات مشتركة للمشتريات، وإعادة توسيع قاعدة الصناعات الدفاعية الأوروبية بما يتناسب مع متطلبات حرب عالية الكثافة.
أي أن أوروبا تنتقل من تسليح أوكرانيا إلى بناء قدرة أوكرانيا على إنتاج السلاح.
ويجب هنا التمييز بين الأمرين: فالمساعدات العسكرية تعني نقل مخزون قائم، أما نقل التكنولوجيا فيعني نقل قدرة إنتاجية مستدامة.
وقد بدأت المفوضية الأوروبية، عبر برنامج ASAP – قانون دعم إنتاج الذخيرة، في رفع قدرات التصنيع، مستهدفة الوصول بنهاية عام 2025 إلى إنتاج مليوني قذيفة مدفعية سنوياً. غير أن ذلك، رغم أهميته، لا يزال غير كافٍ لحرب مستمرة بهذا الحجم.
أما تقديم لندن لأوكرانيا دعماً لا يقتصر على الأسلحة، بل يشمل القدرات بعيدة المدى والتكنولوجيا، فقد رفع مستوى الإحساس بالتهديد في موسكو.
فالمسألة من المنظور الروسي لم تعد مجرد تقديم الغرب مساعدات إلى كييف، بل مساهمته في بناء قدرة أوكرانية دائمة تسمح بضرب العمق الروسي.
ولهذا أصبحت بريطانيا، في نظر موسكو، ليست مجرد دولة داعمة للحرب، بل واحدة من أبرز الدول التي تسهم في توسيع نطاق الصراع.
3. الامتداد الزمني للحرب
أما القضية الثالثة، فهي التمدد الزمني للصراع.
فاليوم بات واضحاً إلى أي مدى كانت العبارات التي قيلت في بدايات الحرب، مثل «سيتم الاستيلاء على كييف خلال أسبوعين» أو «ستنتهي الحرب خلال 24 ساعة»، قراءات سطحية وناقصة.
فالحرب بطبيعتها ظاهرة تميل إلى التمدد، ولا تتحدد مدتها بالقدرة العسكرية وحدها، وإنما أيضاً بالقوى البشرية، والقدرة المجتمعية على الصمود، والاستدامة الاقتصادية، والإرادة الدبلوماسية.
عبر التاريخ، كانت الأفضلية العسكرية تُقاس بدرجة كبيرة بالقوة الخام، وعدد الجنود، والقدرات المادية.
لكن واقع القرن الحادي والعشرين غير هذه المعادلة.
فالحروب اليوم لا تُخاض بعدد الجنود في الميدان فحسب، بل بالتكنولوجيا، واللوجستيات، والطاقة، والقدرة الإنتاجية، والصمود الاقتصادي، وشبكات الدعم الخارجي.
ومع تداخل أبعاد الزمن والمكان والفاعلين بصورة متزايدة، تصبح القدرة الحقيقية التي تخضع للاختبار هي قدرة الدول والمجتمعات على الصمود.
غير أن شيئاً واحداً في الحرب لم يتغير: أنها ما تزال تستهلك الإنسان والمستقبل.
فبينما يفقد الجنود حياتهم على الجبهة، يدفع المدنيون أيضاً الكلفة المباشرة وغير المباشرة للصراع.
ولا يؤدي ذلك فقط إلى تقليص عدد السكان في الحاضر، بل يضعف كذلك القدرات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية للدول في المستقبل.
واليوم تواجه كل من روسيا وأوكرانيا مشكلات متزايدة فيما يتعلق بالقوى البشرية. لكن استمرار الحرب يمثل تحدياً أشد خطورة لأوكرانيا بوجه خاص، بسبب قاعدتها الديموغرافية الأضيق.
ومع تغير جغرافيا الحرب وأهدافها، تتحول منشآت الطاقة، والمراكز اللوجستية، وشبكات النقل، والبنية التحتية الحيوية إلى أهداف مباشرة.
ولا يقتصر أثر ذلك على أضرار مادية قصيرة الأمد.
فتعطل إنتاج الطاقة، وانقطاع خطوط الإمداد، وارتفاع المخاطر على طرق التجارة، وازدياد كلفة التأمين، كلها عوامل تنقل الأثر الاقتصادي للحرب من المدى القصير إلى المدى الطويل.
وفي الوقت الذي أصبحت فيه البنية التحتية الروسية للطاقة هدفاً للهجمات الأوكرانية، جاءت بالتوازي الأزمة الإيرانية الأميركية-الإسرائيلية وأزمة مضيق هرمز لتزيد الضغط على أمن الطاقة العالمي.
وهكذا لم تعد الحروب في مناطق جغرافية مختلفة منفصلة بعضها عن بعض، بل أصبحت مترابطة عبر خطوط الطاقة والتجارة والأمن.
ومن ثم، فإن تمدد الحرب زمنياً لا يعني فقط أن «الحرب تستمر فترة أطول»، بل إن الحرب الطويلة تجذب إلى داخلها مزيداً من البشر، ومزيداً من الجغرافيا، ومزيداً من الأنظمة الاقتصادية.
لماذا ذهب مدير الـCIA إلى موسكو؟
وهنا نصل إلى القضية الأكثر حساسية: لماذا يوجد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في موسكو؟
في تقديري، تكمن العتبة الأهم للحرب تحديداً في هذه النقطة.
فزيارة جون راتكليف إلى موسكو لا يمكن قراءتها باعتبارها اتصالاً دبلوماسياً عادياً.
وكانت إحدى أكثر الزيارات اللافتة التي قام بها مدير لوكالة الاستخبارات المركزية إلى روسيا قد حدثت عام 2021، قبل اندلاع الحرب مباشرة، عندما سعت واشنطن إلى نقل تقييمها بصورة مباشرة إلى موسكو بشأن الاستعدادات الروسية تجاه أوكرانيا والعواقب المحتملة لذلك.
وعبر التاريخ، كان التفكير الاستراتيجي الروسي يعرف الأمن ليس فقط من خلال خطوط الحدود، بل أيضاً من خلال العمق والمحيط وحرية الحركة.
لكن أخطر أبعاد هذا التصور في الحرب الأوكرانية يتمثل، منذ اليوم الأول، في احتمال دخول الأسلحة النووية إلى المعادلة في مرحلة ما.
فروسيا عدلت عقيدتها النووية خلال الحرب، وشددت لغتها في مجال الردع النووي، وأعادت صياغة الإطار الاستراتيجي الذي يحدد المسافة الفاصلة بين الحرب التقليدية والعتبة النووية.
واليوم، تفتح الخطوات البريطانية، وتصاعد الضربات الأوكرانية في العمق الاستراتيجي الروسي، وامتداد الحرب إلى البنى الاقتصادية والطاقة واللوجستيات، مجالاً جديداً من «اللامحدودية» في حسابات موسكو.
ولهذا لا ينبغي الاستخفاف بالنقاش المتعلق بالأسلحة النووية التكتيكية.
فكلمة «تكتيكي» قد تكون مضللة في هذا السياق.
السلاح النووي التكتيكي ليس مجرد نسخة أكثر قوة من الذخيرة التقليدية.
النووي يظل نووياً.
وبالنسبة إليّ، فإن السؤال الأكثر أهمية هو الآتي:
إذا كان الاتصال المباشر بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين متاحاً إلى هذا الحد، وإذا كان بإمكان الرئيسين التحدث هاتفياً متى أرادا، فلماذا توجه مدير وكالة الاستخبارات المركزية على عجل إلى موسكو؟
أعتقد أن الإجابة واضحة إلى حد بعيد.
لم نعد أمام أزمة عادية يمكن إدارتها فقط عبر التواصل السياسي بين الزعيمين.
بل أمام حرب ينبغي احتواؤها، ومسار تصعيد أصبح من الصعب بصورة متزايدة توقع وجهته المقبلة.
ويظل الأمل أن تتحول قناة اتصال الأزمات التي فتحتها وكالة الاستخبارات المركزية في موسكو، في المرحلة التالية، إلى طاولة مفاوضات تُعاد إقامتها في إسطنبول.
فما تحتاجه المرحلة اليوم ليس جبهة جديدة، بل أرضية دبلوماسية جديدة تمنع الحرب من التمدد أكثر.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











