
ترك برس
يرى الكاتب التركي غفار ياقينجا أن احتجاجات مربي المواشي في جزيرة لسبوس اليونانية، على خلفية الإجراءات المتخذة لمواجهة تفشي مرض الحمى القلاعية بين الحيوانات، تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بأوضاع المنتجين وسكان الجزر اليونانية، كما تعكس في رأيه مقارنة متزايدة بين الإمكانات المتاحة في اليونان وتلك التي توفرها تركيا.
وفي مقاله بصحيفة "خبر 7"، توقف ياقينجا عند احتجاجات شهدتها جزيرة لسبوس، المعروفة تاريخيا باسم ميديللي، بعدما أصدرت السلطات اليونانية أوامر بإعدام قطعان كاملة من الأغنام والماعز بسبب ظهور حالات إصابة بالحمى القلاعية، بدلا من الاكتفاء بعزل الحيوانات المريضة، وفق ما أورده الكاتب.
وأشار إلى أن غضب المزارعين ازداد بسبب ما وصفه بعدم تقديم مساعدات أو تعويضات كافية لأصحاب المواشي التي جرى إعدامها، مستشهدا بأحد المحتجين الذي اتهم السلطات في أثينا بالتعامل معهم بصورة غير عادلة.
ولفت الكاتب إلى أن أحد المزارعين المحتجين قال، في تعبير لافت، إن السلطات تعامل سكان الجزيرة "كما لو كانوا أتراكا"، متسائلا عما إذا كانوا يونانيين أم أتراكا، ومضيفا أنه إذا كانوا أتراكا فعليهم معرفة ذلك كي "يلجأوا إلى تركيا ويعيشوا براحة".
ويرى ياقينجا أن هذا التصريح، وإن جاء في سياق احتجاج غاضب، يحمل دلالات تتجاوز أزمة المواشي. فجزيرة لسبوس لا تبعد عن السواحل التركية سوى نحو 28 كيلومترا، بينما تصل المسافة بينها وبين البر اليوناني إلى نحو 200 كيلومتر، وهو ما يجعل سكانها، بحسب الكاتب، يشعرون أحيانا ببعدهم عن مركز السلطة في أثينا وقربهم الجغرافي والاقتصادي من تركيا.
مقارنة بين دعم المنتجين في تركيا واليونان
ويعتبر الكاتب أن وراء حديث المزارع عن "اللجوء إلى تركيا" عاملا نفسيا واقتصاديا آخر، يتمثل في اعتقاده بأن التعامل مع أزمة مماثلة في تركيا قد يتم بوسائل أكثر تطورا، إلى جانب توقعه حصول المنتجين على تعويضات في حال إعدام حيواناتهم.
ويؤكد ياقينجا أن الحديث عن موجة هجرة أو لجوء من اليونان إلى تركيا لا يبدو واقعيا في المرحلة الراهنة، لكنه يرى أن سكان الجزر اليونانية، ولا سيما المزارعين والمنتجين، ينظرون باهتمام إلى بعض الفرص والإمكانات المتاحة في تركيا ويرغبون في تطوير علاقاتهم معها.
وبحسب الكاتب، تواجه الجزر اليونانية صعوبات في الوصول إلى المواد الخام والخدمات المساندة، فضلا عن مشكلات تتعلق بالوصول إلى الأسواق، معتبرا أن السياسات الأوروبية والليبرالية لحكومة رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس تزيد من الضغوط على المنتجين.
وفي المقابل، يرى أن تركيا توفر برامج متنوعة لدعم المنتجين، وأن الدولة التركية تمنح أهمية خاصة للأمن الغذائي، الأمر الذي ينعكس، بحسب رأيه، على حجم الدعم المقدم للقطاع الزراعي والثروة الحيوانية، ولا سيما للمنتجين الذين يتعرضون لخسائر بسبب الأوبئة أو الكوارث.
الجزر والأناضول.. روابط تاريخية واقتصادية
ويستحضر ياقينجا التاريخ لدعم رؤيته، مشيرا إلى أن سكان الجزر اليونانية كانوا، خلال الفترات المزدهرة من الحكم العثماني، يأتون إلى الأناضول للعمل، ويستأجرون الأراضي والمزارع والغابات.
ويرى الكاتب أن المزارع الذي يعيش اليوم في جزر لسبوس أو خيوس أو ساموس يقارن، بصورة طبيعية، بين ظروفه الاقتصادية والإنتاجية وبين الإمكانات الموجودة في تركيا، وقد يصل إلى قناعة بأن ممارسة الأعمال والإنتاج في تركيا أكثر جدوى.
وبلغة تنطوي على قدر من المبالغة، يقول الكاتب إنه لا ينبغي الاستغراب إذا وجدت تركيا نفسها مستقبلا أمام اهتمام أكبر من سكان هذه الجزر بإقامة علاقات اقتصادية أو مهنية أوثق معها.
صورة اليونان بين السياحة والاقتصاد
وينتقد ياقينجا ما يصفه بوجود أقلية في تركيا تبالغ في الإعجاب باليونان، معتبرا أن بعض الأتراك الذين يزورون البلاد للسياحة يخلطون بين الصورة التي يرونها في المناطق السياحية وبين الواقع الاقتصادي العام.
ويقر الكاتب بأن اليونان تتمتع، من وجهة نظره، بتقدم على تركيا في بعض مجالات السياحة والمطاعم والضيافة، لكنه يرى أن هذه القطاعات لا تمثل سوى جزء محدود من الاقتصاد والحياة الاقتصادية.
ويذهب إلى أن الاقتصاد اليوناني يواجه مشكلات في مجالات أخرى، كما يرى أن البلاد لا توفر فرصا كافية للشباب المتعلمين ورواد الأعمال، مقابل اعتقاده بأن تركيا ستتحول تدريجيا إلى مركز جذب اقتصادي أكبر خلال السنوات المقبلة.
تركيا ومراكز الابتكار
واستند الكاتب في هذا السياق إلى بيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية "ويبو" لعام 2026، مشيرا إلى ورود إسطنبول ضمن قائمة أبرز 100 مدينة في مجال الابتكار عالميا، معتبرا ذلك مؤشرا على الإمكانات التي تمتلكها تركيا لتعزيز موقعها الاقتصادي والتكنولوجي.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من ضرورة عدم الاكتفاء بالمقارنة مع اليونان، داعيا إلى استمرار تركيا في تطوير قدراتها. كما يشير إلى المنافسة الإقليمية في مجال التكنولوجيا، مستشهدا بمكانة إسرائيل في مؤشرات الابتكار بفضل المناطق التكنولوجية التي أقامتها بين تل أبيب والقدس.
ويخلص ياقينجا إلى أن نظرة اليونان إلى تركيا أو نظرة سكان جزرها المجاورة للسواحل التركية ليست القضية الأهم، إذ يرى أن الأولوية يجب أن تبقى لتطوير تركيا لقدراتها الاقتصادية والتكنولوجية والإنتاجية.
وبينما يستخدم الكاتب أزمة مربي المواشي في لسبوس نقطة انطلاق لمناقشة العلاقات الاقتصادية بين تركيا والجزر اليونانية، فإنه يطرح في جوهر مقاله رؤية مفادها أن القرب الجغرافي والإمكانات الاقتصادية المتنامية لتركيا قد يدفعان، على المدى المتوسط، مزيدا من المنتجين وسكان الجزر إلى النظر إلى السوق التركية بوصفها مجالا واعدا للتعاون والفرص.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











