إسطنبول / ترك برس

يرى الكاتب التركي حسن حسين أوز أن أوروبا، التي قامت تاريخيا على توازن القوى بين الدول الكبرى قبل أن تتحول إلى مشروع تكامل سياسي واقتصادي، تواجه اليوم أزمة عميقة تتمثل في تراجع قدرتها على إنتاج إرادة سياسية مستقلة، رغم استمرار مؤسساتها في إصدار القواعد والتشريعات التي كانت تقدمها بوصفها نموذجا لتنظيم القارة والعالم.

وفي مقال نشرته صحيفة «ستار» التركية بعنوان «من يتحدث عن أوروبا يخطئ»، يستعيد أوز مقولة للمستشار الألماني الأسبق أوتو فون بسمارك، معتبرا أن فهم أوروبا يقتضي النظر إليها تاريخيا باعتبارها ساحة لتوازن القوى بين الدول الكبرى، وليس كيانا سياسيا موحدا بالمعنى الذي ترسخ لاحقا مع مشروع الاتحاد الأوروبي.

ويشير الكاتب إلى أن نظام وستفاليا أرسى توازنا بين الدول ذات السيادة، قبل أن تعيد مؤتمر فيينا عام 1815 صياغته تحت مفهوم «التناغم الأوروبي». وبحسب أوز، لم يكن القانون في تلك المرحلة يلغي المصالح، وإنما كان يسعى إلى وضع قواعد تضبط صراعات القوى الكبرى، ما يعني أن أوروبا كانت، قبل أن تصبح اتحادا، منظومة توازنات.

ويرى أوز أن الحربين العالميتين أدتا إلى انهيار ذلك التوازن، وأن إعادة بناء القارة بعد الحرب العالمية الثانية جرت في ظل حضور أمريكي حاسم. ويعتبر أن عملية التكامل الأوروبي التي بدأت بالفحم والصلب ثم انتقلت إلى السوق المشتركة فالعملة الموحدة، لم يرافقها بناء مستقل للمنظومة الأمنية، إذ بقي الأمن الأوروبي مرتبطا بواشنطن.

وبحسب الكاتب، أخفت الحرب الباردة لفترة طويلة مشكلة غياب الإرادة الأوروبية المشتركة، لكن تغير موازين القوى كشف التناقضات الكامنة داخل المشروع الأوروبي. ويستشهد أوز بدراسة نشرها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، شملت 5834 شخصا في ست دول، وسألت المشاركين عن كيفية وصف أوروبا لشخص نام قبل خمس سنوات واستيقظ اليوم.

ويشير إلى أن 68 بالمئة من المشاركين ربطوا وصفهم لأوروبا بالتدهور وفقدان مظاهر الحياة الطبيعية، فيما لم تتجاوز نسبة من يعتقدون أن أوروبا «استيقظت» 12 بالمئة. ويصف الكاتب هذه الحالة بأنها «فجوة في الخيال»، موضحا أن الأوروبيين يريدون أوروبا قوية، لكنهم لا يثقون بقدرة الطبقة السياسية الحالية على بناء المستقبل الذي يتطلعون إليه.

ويعتبر أوز أن الحرب في أوكرانيا فاقمت حالة انعدام الأمن داخل القارة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الصناعة وزيادة الإنفاق الدفاعي. ويرى أن الخسارة في مستوى الرفاه الاقتصادي ساهمت في توجيه حالة الغضب الشعبي نحو قضية الهجرة، بدلا من معالجة جذور المشكلات الاقتصادية والاستراتيجية التي تواجه أوروبا.

ويلفت الكاتب إلى مفارقة أساسية في الخطاب الأوروبي الراهن، تتمثل في مطالبة الاتحاد الأوروبي بـ«الاستقلالية الاستراتيجية» في الوقت الذي لا يزال عاجزا، بحسب رأيه، عن بناء سياسة أمنية مستقلة عن واشنطن. كما يشير إلى اتساع الفجوة بين الشعوب الأوروبية وحكوماتها بشأن الحرب في غزة، معتبرا أن الحديث عن القيم العالمية يفقد قوته عندما تتعارض تلك القيم مع المصالح السياسية.

ويرى أوز أن أزمة أوروبا لا تقتصر على الأمن والاقتصاد، بل تمتد إلى النموذج الذي حاول الاتحاد الأوروبي تصديره إلى العالم. فقد بنت بروكسل، وفق الكاتب، نفوذها على التشريعات والتوجيهات والمعايير وقواعد المواءمة، حتى أصبحت تقدم نفسها بوصفها «قوة معيارية» قادرة على تنظيم ليس القارة الأوروبية فحسب، وإنما النظام الدولي أيضا.

غير أن الكاتب يرى أن كثرة القواعد لم تؤد إلى زيادة قوة السياسة الأوروبية، بل إلى العكس؛ إذ يقول إن «القانون حل محل الإرادة السياسية»، وإن قوائم العقوبات والإجراءات البيروقراطية حلت تدريجيا محل القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة.

ويعتبر أوز أن أوروبا فقدت، في هذه المرحلة، قدرتها على تعريف مصالحها الخاصة، في حين استمرت آلياتها التنظيمية والتشريعية في العمل بصورة شبه آلية. ويقارن ذلك بأوروبا في عهد بسمارك، حين كان مفهوم القارة مرتبطا بتوازن الدول، معتبرا أن هذا التوازن ظل على مدى قرنين يُقدَّم باعتباره أساسا للنظام الأوروبي والعالمي.

ويخلص الكاتب إلى أن أوروبا المركزية التي كانت تطرح نفسها بوصفها نموذجا قادرا على تنظيم العالم وفق معاييرها لم تعد موجودة بالشكل السابق، بينما لا تزال بروكسل تتصرف، بحسب تعبيره، وكأن بإمكانها الاستمرار في كتابة «وصفات» للعالم.

ويختتم أوز تحليله بتشبيه ساخر مستوحى من عبارة لإرنست همنغواي، مفاده أن العلاج ربما كان ناجحا، لكن المريض فُقد؛ في إشارة إلى أن أوروبا راكمت منظومة ضخمة من القوانين والمعايير، لكنها، في رأيه، فقدت في المقابل قدرتها على إنتاج القوة السياسية والإرادة الاستراتيجية التي تمنح هذه القواعد معناها.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!