ترك برس

مع اقتراب فصل الشتاء وما يرافقه عادة من ارتفاع في الطلب على الطاقة، تعود المخاوف بشأن أسعار النفط وأمن الإمدادات إلى الواجهة، وسط تطورات جيوسياسية متسارعة في الشرق الأوسط، الذي لا يزال يمثل أحد أهم مفاتيح استقرار أسواق الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، ترى الكاتبة التركية فيليز كاتمان، في مقال بعنوان "الالتفاف"، أن التطورات الأخيرة المتعلقة بخط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب والهجمات التي استهدفت منشآت نفطية في مدينة ينبع، أعادت تسليط الضوء على هشاشة طرق نقل الطاقة وتأثير الجغرافيا والصراعات الإقليمية في الأسواق العالمية.

وتشير الكاتبة في مقالها بصحيفة ستار التركية إلى أن إغلاق خط أنابيب شرق-غرب في 11 سبتمبر/أيلول، عقب هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت تابعة لشركة أرامكو في ينبع، نقل الاهتمام سريعًا إلى تداعيات الحادث على صادرات النفط السعودية والإمدادات العالمية.

خط استراتيجي لتجاوز هرمز

وتبرز كاتمان الأهمية الاستراتيجية لخط أنابيب شرق-غرب، الذي كان ينقل في الظروف الطبيعية نحو 4 ملايين برميل من النفط يوميًا إلى ساحل البحر الأحمر.

وتكمن أهمية الخط، بحسب الكاتبة، في كونه يوفر للسعودية طريقًا بديلًا لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، بما يسمح بتجاوز المخاطر الجيوسياسية واحتمالات تعطيل حركة الملاحة في واحد من أهم الممرات المائية لنقل الطاقة في العالم.

وتلفت إلى أن الأضرار التي لحقت بخط الأنابيب قد لا تتم معالجتها سريعًا، وهو ما قد يؤدي، إذا استمر التعطل، إلى التأثير على صادرات النفط السعودية وبالتالي على الإمدادات العالمية.

وتشير إلى تقديرات تتحدث عن حاجة عمليات الإصلاح إلى ما بين خمسة وستة أسابيع، مع وجود احتمال لعودة الخط إلى العمل بصورة جزئية في وقت أبكر.

ضغوط على الإمدادات والمخزونات

وترى الكاتبة أن خطورة التطورات تتجاوز مجرد توقف خط أنابيب، بالنظر إلى حجم السعودية في سوق الطاقة العالمية، مشيرة إلى أن إنتاجها يمثل نحو 4 بالمئة من إمدادات النفط العالمية.

كما تلفت إلى محدودية الفترة التي يمكن أن تغطيها المخزونات المتاحة في مركز التصدير بينبع، والتي تقدرها بما بين خمسة وسبعة أيام، معتبرة أن ذلك يزيد حساسية الوضع في حال استمرار توقف الخط.

وبحسب رؤية الكاتبة، فإن المخاطر الحالية تأتي في وقت تعاني فيه طرق الشحن البحرية أصلًا من اضطرابات مرتبطة بالهجمات في البحر الأحمر، الأمر الذي يضاعف الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.

وتشير في هذا الإطار إلى أن اضطرابات الملاحة رفعت مدة نقل الشحنات بين ينبع وتايوان من نحو 19 يومًا إلى 48 يومًا، وهو ما يعني زيادة التكاليف وإطالة زمن وصول النفط إلى الأسواق الآسيوية.

باب المندب في قلب المعادلة

وتضع كاتمان التطورات الأخيرة في سياق أوسع يتعلق بالموقع الجغرافي للممرات والمنشآت الاستراتيجية في المنطقة، معتبرة أن السيطرة على الممرات البحرية أو التهديدات التي تطالها باتت عاملًا رئيسيًا في معادلة أمن الطاقة.

وتشير إلى أهمية باب المندب وموقع جزيرة بريم في أضيق نقاط المضيق، معتبرة أن التطورات العسكرية في هذه المنطقة تجعل المشهد الإقليمي أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى حركة التجارة والطاقة.

ومن وجهة نظر الكاتبة، تؤكد الأحداث مجددًا مقولة إن "الجغرافيا هي كل شيء"، إذ تفرض المواقع الاستراتيجية للموانئ وخطوط الأنابيب والمضائق البحرية حدودًا وفرصًا أمام السياسات الأمنية والاقتصادية للدول.

"التفاف" مضاد؟

وتلفت الكاتبة إلى أن مدينة ينبع، الواقعة على الساحل الغربي للسعودية وعلى مسافة تقارب 1300 كيلومتر من الأراضي اليمنية، اكتسبت أهمية خاصة باعتبارها جزءًا من استراتيجية الالتفاف على مضيق هرمز.

فخط الأنابيب الذي ينتهي على ساحل البحر الأحمر صمم، بحسب قراءتها، لتوفير منفذ بديل للنفط السعودي في حال تعرض الملاحة عبر الخليج ومضيق هرمز للخطر.

لكن الهجمات التي استهدفت منشآت النفط في ينبع أظهرت، من وجهة نظر الكاتبة، أن إيجاد مسار بديل لا يعني بالضرورة الخروج الكامل من دائرة المخاطر الجيوسياسية.

وتشير كاتمان إلى استخدام تعبير "الحصار مقابل الحصار" في وصف الهجمات على مصفاة ومنشآت ينبع، في إشارة إلى استهداف البنية النفطية السعودية بوصفه، بحسب هذا الطرح، ردًا على ما يتعرض له اليمن من حصار.

صراع جيوسياسي جديد

وتخلص الكاتبة إلى أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة جديدة من "شد الحبل الجيوسياسي"، لا تقتصر تداعياتها على أطراف الصراع المباشرين، بل تمتد إلى أسواق النفط وحركة الملاحة وسلاسل الإمداد الدولية.

فمع تزايد المخاطر التي تطال مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، ثم انتقال التهديدات إلى خطوط الأنابيب والمنشآت النفطية، ترى كاتمان أن السؤال بشأن أسعار الطاقة خلال الشتاء المقبل لن يكون منفصلًا عن مسار التطورات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط.

وبحسب رؤيتها، فإن الأحداث الأخيرة تؤكد أن أمن الطاقة العالمي بات مرتبطًا أكثر من أي وقت مضى بالجغرافيا السياسية للمنطقة، وأن محاولة تجاوز نقطة جيوسياسية محفوفة بالمخاطر قد تقود، في نهاية المطاف، إلى ظهور تحديات ومخاطر جديدة في مسار آخر.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!