
ترك برس
يتحدّث العالم عن الهزيمة الثقيلة التي مني بها حزب المستشار فريدريش ميرتس المسيحي الديمقراطي (CDU) في انتخابات ولايتين ألمانيتين أُجريتا يوم الأحد. وفي الوقت نفسه، يثير فوز المرشحة من أصول تركية إليف إيرالب، عن حزب اليسار في برلين، صدى واسعاً. ويطرح السؤال نفسه: هل يستطيع ميرتس (70 عاماً) الاستمرار في منصب المستشار؟ وهل ستتمكن إليف إيرالب (45 عاماً)، التي لجأ والداها إلى ألمانيا بعد انقلاب 12 أيلول/سبتمبر 1980، من تشكيل الائتلاف اللازم لتصبح أول رئيسة وزراء وحاكمة ولاية من أصول مهاجرة في برلين، المدينة التي تضم أكبر تجمع للأتراك خارج تركيا؟
توضح الصحفية نيلغون تكفيدان غوموش، في مقال نشرته صحيفة حرييت، أن ألمانيا، محرّك الاتحاد الأوروبي، تمر بمرحلة ليست سهلة تحت ضغط الحرب الروسية-الأوكرانية، وأزمة قطاع السيارات، ونقاشات الهجرة، وتصاعد خطر اليمين المتطرف. وقد وجّه الناخبون غير الراضين عن مسار الأمور البطاقة الصفراء الأولى إلى الحكومة الاتحادية بقيادة ميرتس في 6 أيلول/سبتمبر، عندما حصل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) المتطرف على 43.8% من الأصوات في انتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت، بينما حل حزب ميرتس في المرتبة الثانية فقط.
أما البطاقة الصفراء الثانية فجاءت يوم الأحد من ولاية ميكلينبورغ-فوربوميرن على بحر البلطيق، حيث مني حزب CDU بهزيمة تاريخية لم يحصل فيها سوى على 4.9% من الأصوات، مسجلاً أول مرة يهبط فيها تحت عتبة الـ5%. وفي المقابل زاد حزب AfD أصواته بنسبة 21.4 نقطة ليصل إلى 38.2% ويحتل الصدارة. وفي برلين أيضاً لم تكن النتائج مشرقة للحزب المسيحي الديمقراطي، الذي خسر 9.4 نقاط مقارنة بانتخابات 2023 ليحصل على 18.8% ويأتي ثانياً خلف حزب اليسار. وهذا يعني بطاقة صفراء ثانية لحكومة ميرتس الائتلافية مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، بحسب الكاتبة.
وقبل أن تُحسم النتائج النهائية، أقرّ المستشار ميرتس بالهزيمة ووصفها بـ«الكارثة»، لكنه وجّه رسالة «المواصلة على الطريق». ولا يظهر داخل حزب CDU منافس يرفع الراية ضده علناً حتى الآن، غير أن الزلازل السياسية المتتالية قد تولّد ارتدادات قوية. وفي هذا السياق أشارت رئيسة تحرير صحيفة بيلد المقربة من الحزب، ماريون هورن، إلى أن ميرتس بينما يسحب الحزب نحو القاع، يتحول دون قصد إلى داعم لمنافسيه الذين أراد تركهم خلفه، ملمّحة إلى أن تغيير القيادة قد يكون مفيداً كما يحدث في الرياضة والسياسة. وفي كل الأحوال، يبدو أن الانتخابات المحلية ستعمّق النقاش حول قيادته.
وعلى المستوى الاتحادي، تحكم ألمانيا حكومة ائتلافية بين حزب ميرتس والحزب الاشتراكي. وأي تغيير محتمل في القيادة قد يؤثر على مستقبل الائتلاف، بل ويفتح باب تقديم موعد الانتخابات المقررة لربيع 2029. وتقف ألمانيا اليوم عند مفترق طرق: هل تتحوّل البطاقتان الصفراوان إلى بطاقة حمراء بالنسبة لميرتس الذي وعد بإصلاحات لإنعاش الاقتصاد وتقليص البيروقراطية وخفض الضرائب ومكافحة الهجرة غير النظامية؟ بينما ينتظر حزب AfD المتصدر في استطلاعات الرأي فرصته.
أما نجاح إليف إيرالب فيحمل أبعاداً تاريخية. فقد حقق حزب اليسار نسبة 25.3% غير مسبوقة واحتل الصدارة في برلين، مقترباً بالمحامية إيرالب من منصب رئيسة وزراء الولاية. لكن الوصول إلى الحكم يتطلب أولاً أغلبية مطلقة في البرلمان، ما يعني ضرورة إقناع الحزب الاشتراكي والخضر بالانضمام إلى ائتلاف.
وما إن بدأ فوزها يتبلور حتى ظهرت ادعاءات في الإعلام الألماني بأن حزب اليسار متطرف ومعادٍ للسامية. ودعا المجلس المركزي لليهود في ألمانيا الأحزاب الأخرى إلى عدم التحالف معه. فردّت إيرالب بالتأكيد على ضرورة الفصل بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، مشددة على أنها ليست معادية لليهود وأنها ستعمل لضمان أمن اليهود في برلين أيضاً.
ومن المواضيع الشائكة الأخرى على طريق رئاستها المحتملة ملف تأميم شركات العقارات التي تؤجر المساكن بهدف خفض الإيجارات. فإيرالب لا ترحّب بالتحالف إلا مع الأحزاب التي تقبل التأميم. ويتعلق الأمر بنحو 220 ألف وحدة سكنية، بتكلفة تُقدَّر بين 17 و39 مليار يورو، في مدينة يبلغ فيها نسبة المستأجرين 85%. ويبدو الخضر أكثر مرونة نسبياً تجاه الفكرة، بينما يبدي الحزب الاشتراكي تحفظاً، إلى جانب احتمال عرقلة اتحادية لمثل هذا التأميم.
وبذلك يرتبط تتويج انتصار إيرالب بمنصب عمدة برلين ورئيسة وزراء الولاية بقدرة الشركاء المحتملين في الائتلاف على الالتقاء حول أرضية مشتركة في ملف التأميم.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











