ترك برس

تكشف التقديرات الإسرائيلية عن تصاعد القلق من المنافسة المتنامية مع تركيا على رسم خرائط التجارة والنفوذ في الشرق الأوسط، في ظل سباق محتدم للسيطرة على الممرات البرية والبحرية التي يُتوقع أن تشكل شرايين الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، إذ لم تعد تقتصر المواجهة بين الجانبين على الخلافات السياسية والأمنية، بل باتت مرتبطة بصراع أوسع على التحكم بمسارات الطاقة والبيانات والتجارة بين آسيا وأوروبا.

وفي هذا السياق، أكد الباحث الإسرائيلي كوبي باردا، أن الصراع المتصاعد بين دولة الاحتلال وتركيا يمثل جزءا من "لعبة شطرنج عالمية"، سيكون فيها المحور الاقتصادي والأمني العامل الحاسم في تحديد الطرف الذي سيمتلك مفاتيح طرق التجارة العالمية خلال المرحلة المقبلة.

وأوضح باردا في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" وترجمته صحيفة "عربي21"، أن التوتر بين الجانبين لم يعد يقتصر على السجالات الدبلوماسية، رغم تصاعدها بصورة غير مسبوقة خلال الفترة الأخيرة، مشيرا إلى أن التصريحات التي أطلقها وزير الداخلية التركي مصطفى تشيبك بشأن القدس، وما تبعها من ردود إسرائيلية حادة، تعكس حجم الاحتقان المتزايد بين الطرفين.

وأضاف أن المخاوف الإسرائيلية لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تمتد إلى ما وصفه بمؤشرات على استعدادات عسكرية تركية متدرجة لمواجهة محتملة مع الاحتلال، مرجحا أن تكون الساحة السورية نقطة الاحتكاك الرئيسية.

وأشار إلى ما كشفه المعارض التركي المنفي عبد الله بوزكورت حول تغييرات تنظيمية وإجراءات طوارئ تسمح بتعبئة الموارد المدنية والشركات الخاصة، بما يعكس تحولا استراتيجيا تعتبر فيه أنقرة دولة الاحتلال تهديدها الرئيسي.

ورأى أن جوهر الصراع يتمثل في التنافس على الطريق البري الذي سيصبح شريان الحياة الرئيسي للتجارة الإقليمية والدولية، سواء ذلك الذي يمر عبر موانئ الاحتلال الإسرائيلي أو المسار البديل الذي يتجاوزها عبر سوريا وتركيا.

واعتبر أن حسم هذه المنافسة سيحدد توزيع الثروة وموازين القوى في المنطقة لأجيال قادمة.

وأشار إلى أن أهمية هذا التنافس تزداد مع تراجع موثوقية الممرات البحرية التقليدية، في ظل الضغوط التي يتعرض لها مضيق هرمز وهجمات الحوثيين على باب المندب، ما يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى البحث عن بدائل برية لنقل السلع والبيانات والنفط.

وفي هذا الإطار، سلط الضوء على مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، المدعوم أمريكيا، والذي يربط الهند بدول الخليج ثم الأردن ودولة الاحتلال وصولا إلى أوروبا عبر البحر.

وفي المقابل، أوضح أن تركيا تعمل مع حلفائها على تطوير مسار منافس يتجاوز دولة الاحتلال بالكامل، عبر الأردن وسوريا ثم الأراضي التركية وصولا إلى القارة الأوروبية.

واعتبر باردا أن الاتفاقات ومذكرات التفاهم الموقعة بين تركيا والسعودية، إلى جانب التعاون مع الأردن وحكومة أحمد الشرع في سوريا ضمن مشروع "الأيام الأربعة"، تهدف إلى تحويل دمشق وأنقرة إلى مركزين حصريين للطاقة والخدمات اللوجستية، بما يقلص الأهمية الاستراتيجية لدولة الاحتلال في هذه المعادلة.

كما ربط هذا الصراع بشبكة أوسع من التحالفات الإقليمية، مشيرا إلى التحركات التركية في أفريقيا، وخاصة في الصومال، مقابل مساع إسرائيلية لتعزيز علاقاتها مع جمهورية أرض الصومال، التي ينظر إليها باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية في مواجهة النفوذ التركي وتهديدات الحوثيين في البحر الأحمر.

وأكد أن نجاح هذا المشروع يتطلب دعما أمريكيا، لافتا إلى أن الرئيس دونالد ترامب يتبنى رؤية استراتيجية تقوم على تحويل ممر IMEC (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا) إلى مشروع تاريخي يربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة عبر شبكات التجارة والطاقة والاتصالات.

ولفت إلى أن المواجهة بين دولة الاحتلال وتركيا لم تعد خلافا ثنائيا محدودا، بل تحولت إلى جزء من صراع دولي أوسع على النفوذ وطرق التجارة العالمية، حيث سيحدد الطرف القادر على فرض محوره الاقتصادي والأمني شكل التوازنات الإقليمية والدولية خلال العقود المقبلة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!