د. سمير صالحة - تلفزيون سوريا

من خلال خطوة الإعلان أن حماس في قطاع غزة هي خط الدفاع الأمامي لمنطقة الأناضول، يكون أردوغان قد كشف النقاب عن مسار جديد مع تل أبيب يهدد بانهيار ما شيد قبل عامين بعد زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لتركيا في آذار 2022، ويعكس كل ذلك حقيقة أن القيادة التركية ماضية في مسار التصعيد ليس مع تل أبيب وحدها بل مع داعميها وحلفائها أيضا؟

أردوغان لا يوسع هنا دائرة بيكار هجماته ضد نتنياهو وحكومته فقط، بل ضد إسرائيل ككل معرضا العلاقات الثنائية للمزيد من التراجع والتدهور. هل سيرضي بذلك من يتمسك بالحديث عن براغماتية أنقرة ويسقط من يدهم ورقة " تشرذم الموقف السياسي التركي الداخلي" حيال ما يجري في غزة وطريقة التعامل مع حماس؟

ما يسعى إليه أردوغان هو تذكير الغرب أنه بقدر ما هناك عقبة اسمها حكومة نتنياهو، هناك عائق آخر اسمه إدارة بايدن. وأنه دون تراجع الإدارة الأميركية عن مواقفها وقرارات دعمها الواسع لتل أبيب لن تصل الأمور إلى حلحلة وتسوية. الهدف هو تحريك الرأي العام العالمي ضد إسرائيل وممارساتها وهو ما أشار إليه أردوغان من خلال حديثه عن موجات الاحتجاج في جامعات الغرب وطريقة التعامل معها والتحذير من ارتدادات ما يقوم به نتنياهو على مسار العلاقات الأميركية مع العديد من دول المنطقة، ودعوة واشنطن لقراءة متأنية في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير وكيف تخلى الكثير من حلفائها عنها خلال التصويت والاستعداد لتبعات ذلك إذا ما واصلت تل أبيب تمسكها باقتحام رفح.

وبين أهداف أردوغان دعم الجهود المصرية والقطرية على خط الوساطات عبر التصعيد المتواصل ضد نتياهو وحلفائه والتحذير الدائم من اتساع رقعة الأزمة وانتقالها إلى جبهات جديدة بطابع سياسي وأمني واقتصادي مع إسرائيل.

قد لا تعني الخطوات التركية حتى الآن الكثير بالنسبة لنتنياهو فأرقام التبادل التجاري لا تمثل سوى ما نسبته 1% من الصادرات الإسرائيلية و5% من الواردات إلى إسرائيل، خصوصا أن تل أبيب احتلت المركز الـ13 في قائمة الدول الأكثر استيرادا للمنتجات التركية خلال عام 2023. لكن نوعية السلع التي قررت أنقرة تجميد إرسالها في نيسان المنصرم كان من بينها الحديد والرخام والصلب والإسمنت والألمنيوم والطوب والأسمدة ومعدات ومنتجات البناء ووقود الطائرات، وهي كلها مواد تسهم في قطاع البناء والتصنيع والتكنولوجيا وسيكون لها ارتداداتها السلبية حتما على الاقتصاد الإسرائيلي.

بقدر ما تتمسك القاهرة بمعادلة أن لا حرب ولا سلام مع إسرائيل دونها، فإن أنقرة أيضا تتمسك بمعادلة أن لا تسويات في الملف الفلسطيني يتعارض مع ثوابتها الإقليمية.

تريد تركيا أن تكون جاهزة لكل الاحتمالات والمفاجآت في مسار الملف الفلسطيني وحركة التوازنات الإقليمية الجديدة.

الشق الاستراتيجي في كلام الرئيس التركي يذكر بخطط تل أبيب وعروضها على تركيا قبل سنوات بالمشاركة في استثمارات مشروع غاب في جنوب شرقي تركيا والمساهمة في إزالة الغام الحدود التركية السورية مقابل مشاريع زراعية مشتركة معها في تلك المنطقة وهو ما تنبهت له أنقرة وحالت دونه بعدما اعتبرته جزءا من أمنها القومي.

قبلت أنقرة التحدي وأعلنت أن حساباتها السياسية لن تكون أهم من موقفها الثابت في التعامل مع الملف الفلسطيني حتى ولو توترت علاقاتها مع تل أبيب أكثر فأكثر، وحتى لو كانت فرص إعادة ترميم ما تهدم تستغرق وقتاً أطولاً في موضوع التطبيع مع تل إسرائيل.

نعالج ألف عنصر لحماس في مستشفياتنا كافية لإغضاب تل أبيب أكثر مما هي عليه اليوم، وحتى لو كان ذلك يعرض حسابات تركيا ومصالحها الغازية مع إسرائيل في شرق المتوسط للخطر.

مشكلة أردوغان لم تعد مع نتنياهو بل مع إسرائيل ومن يدعمها كما يقول أردوغان، فهل سيكفي ذلك البعض للتراجع عن مقولة إن تركيا خرجت من موقف التردد والبحث عن البرغماتية في علاقتها مع كلا طرفي الصراع في غزة؟

دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لوقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني لأنه إذا لم يتم إيقافه " فستحول إسرائيل أنظارها نحو الأناضول من خلال هذيان الأرض الموعودة.. إسرائيل لا تهاجم الفلسطينيين في قطاع غزة فحسب، بل هي تهاجمنا أيضاً".

وفي خضم ذلك؟ ماذا تنتظر حكومة نتياهو وإدارة بايدن أكثر من ذلك من قبل الرئيس التركي؟

وصلت نتائج الاتصالات التركية الأميركية المكثفة بهدف البحث عن مخرج يسهم في وقف الحرب الدائرة في قطاع غزة إلى طريق مسدود حتى الآن. ما قاله وزير الخارجية التركي هاكان فيدان "أميركا تدعم إسرائيل دون شروط ونحن ندعم الشعب الفلسطيني دون تراجع"، هو المحصلة التي تتطابق مع المثل الشعبي القائل: "الشتاء بحسابو والربيع بعذابو".

كان هدف أنقرة من خلال خطوات التصعيد المتدرج ضد تل أبيب هو حماية دورها على خط الوساطة والتهدئة، وضمان تدفق غير متقطع وكاف للمساعدات الإنسانية إلى غزة، والضغط على العواصم الغربية لتبديل مواقفها حيال ما يجري في القطاع ويبدو أنها وصلت إلى خيبة أمل مع الجانب الإسرائيلي.

آخر المؤشرات جاء بعد التصعيد الإسرائيلي في رفح وهو ما أبلغت أنقرة الجانب الأميركي بأنه سيتحول إلى كارثة إنسانية تفاقم الأزمات السياسية والأمنية الإقليمية القائمة.

تأخرت أنقرة في إعلان ما تقوله اليوم لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولحكومته وحليفهما الأميركي، لأنها كانت تعول على جهود التهدئة المبذولة لقطع الطريق على انفجار أوسع تتسبب به أحداث مطلع تشرين الأول المنصرم، وكانت تتطلع صوب حماية المسار الجديد في سياساتها الخارجية والانفتاح على تل أبيب. لكن تمسك نتنياهو بالتصعيد دفعها نحو رد مقابل بشكل متدرج وصل إلى ما قاله أردوغان قبل أيام والتحول السريع في الموقف التركي سواء من خلال تجميد التعاملات التجارية مع تل أبيب، أو انضمام أنقرة إلى قضية الإبادة الجماعية المرفوعة ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، أو دعم القرار الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن العضوية الكاملة لفلسطين، أو ضرورة الرد على عرقلة انطلاق أسطول الحرية – 2 من موانئها باتجاه سواحل غزة من قبل تل أبيب وتلويحها أنها جاهزة بفرقها العسكرية لتكرار ما فعلته قبل 14 عاماً.

عن الكاتب

د. سمير صالحة

البرفسور الدكتور سمير صالحة هو أكاديمي تركي والعميد المؤسس لكلية القانون في جامعة غازي عنتاب وأستاذ مادتي القانون الدولي العام والعلاقات الدولية في جامعة كوجالي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس