
ترك برس
تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، تطور العلاقات التركية–الجزائرية بوصفها نموذجاً لشراكة إقليمية تستند إلى إرث تاريخي مشترك ورؤى سياسية متقاربة ومصالح اقتصادية متبادلة.
يستعرض المقال جذور العلاقة الممتدة منذ العهد العثماني، وصولاً إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية التي يشهدها البلدان اليوم، في ظل تنامي التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي بينهما. كما يسلط الضوء على التقارب في المواقف تجاه القضايا الإقليمية، وعلى أهمية الجزائر بالنسبة لتركيا كبوابة نحو إفريقيا، مقابل استفادة الجزائر من الخبرة الصناعية والاقتصادية التركية.
ويناقش أويصال أيضاً آفاق التعاون المستقبلي في مجالات الطاقة والصناعة والثقافة، وأهمية هذه الشراكة في تعزيز الاستقرار والتنمية الإقليمية في ظل التحولات الدولية الراهنة. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة الشرق القطرية:
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية وثقافية قوية تعود إلى العهد العثماني. مع انضمام برباروس خير الدين باشا وشقيقه أوروج ريس إلى الدولة العثمانية، امتد نفوذ العثمانيين إلى غرب البحر الأبيض المتوسط، وساعدوا المسلمين في الأندلس على الهروب من الاضطهاد. وقد ساهم وجود الإمبراطورية العثمانية في شمال إفريقيا في حماية المنطقة من الاستعمار الأوروبي، كما ساهم في تحقيق الاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط لفترة طويلة، ومن آثار هذا الحضور التاريخي ظهور جماعات ذات أصول تركية عُرفت باسم "الكولوغلو"، نتيجة اندماج الجنود القادمين من الأناضول مع السكان المحليين عبر الزواج.
تجمع بين تركيا والجزائر اليوم علاقات تقوم على تقارب الرؤى السياسية، والسياسات المستقلة، إلى جانب المصالح المشتركة. ويبرز هذا التقارب بوضوح في موقفيهما المتشابهين تجاه القضية الفلسطينية، ورفضهما للتدخلات الخارجية في شؤون المنطقة. كما يؤمن الطرفان بضرورة أن تتولى دول المنطقة نفسها مسؤولية معالجة قضاياها، بعيداً عن هيمنة القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يواصل البلدان تعاونهما ضمن أطر دولية وإقليمية متعددة، مثل الأمم المتحدة، ومنظمة التعاون الإسلامي، والقمم التركية–الأفريقية، حيث يتبنيان مواقف متقاربة، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وظاهرة معاداة الإسلام.
كما أن الاقتصادين الجزائري والتركي يكمل أحدهما الآخر. إذ يبرز الاقتصاد التركي من خلال قطاعاته الصناعية والسياحية والزراعية، إضافة إلى نشاطه التصديري. أما الاقتصاد الجزائري فيُعرف بموارده من النفط والغاز الطبيعي، إلى جانب التعدين والاستيراد العسكري. وتسعى الجزائر إلى تقليل اعتمادها على النفط والغاز عبر تنويع اقتصادها، من خلال إعطاء أهمية أكبر لقطاعي الصناعة والسياحة. وفي هذا الإطار، تمثل خبرة تركيا في الاقتصاد متعدد الأبعاد والنجاح في التصنيع أهمية كبيرة بالنسبة للجزائر من حيث نقل التجارب والخبرات. كما تنظر تركيا إلى الجزائر باعتبارها بوابة نحو إفريقيا وشمال إفريقيا.
يشهد التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين نموًا مطردًا. وتُعد الجزائر رابع دولة تُصدّر الغاز الطبيعي إلى تركيا، بعد روسيا وإيران وأذربيجان. ومع تزايد حجم التبادل التجاري بين البلدين، تستثمر تركيا في الجزائر ما بين 7 و8 مليارات دولار في مشاريع متنوعة تشمل التعدين والبنية التحتية والسلع الاستهلاكية. وبفضل الخبرة الصناعية والتجارية التركية، سيُسهّل الإنتاج المشترك في الجزائر على تركيا الوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية، فضلًا عن الأسواق الأوروبية.
في الوقت الذي ما تزال فيه الموارد الطبيعية الجزائرية بحاجة إلى مزيد من الاستكشاف والاستثمار، يمكن لتركيا أن تؤدي دوراً أكثر فاعلية في هذا المجال. وتتمتع الشركات التركية بحضور قوي في الجزائر في قطاعات مثل الحديد والصلب، والنسيج، والبناء، والبنية التحتية، والإنتاج الصناعي، في حين تنظر الجزائر إلى تركيا كشريك مهم في المجالات غير المرتبطة بالمحروقات. وبينما يظل التعاون في مجال الطاقة محور العلاقات بين البلدين، فإنه يمتد أيضاً إلى مجالات الطاقة المتجددة، والصناعات الدوائية، والزراعة، والنقل، والإنتاج الصناعي.
ورغم الروابط التاريخية والتفاهم المشترك بين البلدين، فإن العلاقات الأكاديمية والثقافية، على الرغم من تطورها، لم تصل بعد إلى المستوى المنشود. وتحظى اللغة والثقافة التركيتان باهتمام ملحوظ في الجزائر، كما شهد التعاون الأكاديمي والثقافي تقدماً يمكن تعزيزه بشكل أكبر. فعلى سبيل المثال، لا تقتصر أنشطة وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا" على المساعدات التنموية فحسب، بل تسهم أيضاً في إحياء التراث التاريخي والثقافي المشترك. كما بدأت مدارس "المعارف" التركية بالافتتاح، وتوجد في الجامعات الجزائرية أقسام ودروس للغة التركية، مع إمكانية التوسع في هذا المجال مستقبلاً.
وخلال زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تركيا الأسبوع الماضي، حظي باستقبال رفيع المستوى، ما يعكس التطور الكبير الذي شهدته العلاقات الثنائية، والتي ارتقت في الآونة الأخيرة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. وقد جرى خلال الزيارة تبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا، إلى جانب توقيع اتفاقيات في مجالات الاتصالات والاعلام، والنقل، والزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا، وتشجيع التجارة والاستثمارات المتبادلة. ومن شأن تنفيذ هذه الاتفاقيات أن يدفع بالعلاقات التركية–الجزائرية إلى مستوى أكثر تقدماً.
وفي الختام، تشهد العلاقات بين تركيا والجزائر، المدعومتين بروابط تاريخية قوية ومصالح مشتركة، تطوراً متواصلاً في ظل تبني البلدين لسياسات خارجية مستقلة. وفي وقت يمر فيه العالم بمرحلة من الاضطراب والفوضى، تكتسب الشراكة بين البلدين أهمية خاصة بالنسبة لاستقرار المنطقة وتنميتها. كما أن هذه العلاقات لا تضر دولة أخرى، بل تعكس إرادة متزايدة لتعزيز التعاون الثنائي والإقليمي المتعدد الأطراف. ومن شأن تعاون دول المنطقة أن يسهم في الحد من الفوضى، وتهيئة أرضية أكثر استقراراً للسلام والتنمية الإقليمية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











