ترك برس

أشاد السفير الروسي لدى أنقرة سيرغي فيرشينين بموقف تركيا واستعدادها لاستضافة مفاوضات جديدة حول الأزمة الأوكرانية في إسطنبول.

وقال فيرشينين في تصريحات لقناة CNN Türk إن بلاده "لم تستبعد يوما الحلول والإمكانيات السياسية والدبلوماسية"، مشيرا إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين أكد استعداد روسيا لمواصلة التفاوض على أساس الاتفاقيات التي جرى التوصل إليها في إسطنبول عام 2022.

وأوضح: "نعرب عن امتناننا العميق للجانب التركي لجهوده والتزامه بتحقيق حل دائم ومستدام للأزمة الأوكرانية، ونقدر استعداد تركيا لتوفير منصة إسطنبول التي نعتبرها مناسبة للغاية لمواصلة المفاوضات من النقطة التي انعطعت عندها"، بحسب ما نقلته وكالة "تاس" الروسية

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعلن في 23 يونيو/ حزيران الماضي خلال اجتماع مع أعضاء حكومته استعداد روسيا للانخراط في مفاوضات سلام مع أوكرانيا انطلاقا من تلك الاتفاقيات، في حين تتهم موسكو كييف بإجهاض ما تم التوصل إليه في جولة مارس 2022.

وقبل يومين، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن بلاده تسعى جاهدة لتحقيق سلام دائم في الحرب الروسية الأوكرانية وتعمل على استئناف المفاوضات بين الطرفين.

ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/ شباط 2022، تبنّت تركيا موقفا مركبا يقوم على دعم وحدة الأراضي الأوكرانية وسيادتها من جهة، والحفاظ على قنوات الحوار والتعاون مع روسيا من جهة أخرى. وقد جعل هذا التوازن أنقرة واحدة من أكثر الأطراف قدرة على التواصل مع موسكو وكييف في آن واحد، رغم كونها عضوا في حلف شمال الأطلسي "الناتو".

سياسيا، أكدت تركيا مرارا أنها لا تعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وتعتبر ذلك انتهاكا للقانون الدولي، كما شددت على دعم استقلال أوكرانيا وسيادتها ووحدة أراضيها، مع اهتمام خاص بوضع تتار القرم ذوي الروابط التاريخية والثقافية مع تركيا. وكررت الخارجية التركية هذا الموقف في بياناتها السنوية بشأن ذكرى ضم القرم، بما في ذلك بيان مارس/ آذار 2026.

عسكريا وأمنيا، اتخذت أنقرة خطوة مهمة في بداية الحرب عندما صنّفت العملية الروسية ضد أوكرانيا بأنها "حرب"، ما سمح لها بتفعيل اتفاقية مونترو وإغلاق المضائق التركية أمام السفن الحربية التابعة لطرفي النزاع، أي روسيا وأوكرانيا. وقد شددت تركيا على أنها تطبق الاتفاقية بحياد ودقة بهدف منع تصعيد التوتر في البحر الأسود.

في المقابل، لم تنخرط تركيا في العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، معلنة أن العقوبات ليست أداة تفضّلها في إدارة الأزمات، وأنها لا تعتزم المشاركة فيها. هذا الموقف عكس رغبة أنقرة في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو، سواء لحسابات الوساطة أو لاعتبارات اقتصادية وتجارية وأمنية أوسع.

وعلى صعيد دعم أوكرانيا، برزت الصناعات الدفاعية التركية، ولا سيما طائرات "بيرقدار TB2" المسيّرة، كأحد أبرز وجوه التعاون العسكري بين أنقرة وكييف. ومع استمرار الحرب، اتخذ التعاون الدفاعي منحى أعمق، إذ بدأت شركة "بايكار" التركية عام 2024 بناء مصنع قرب كييف لإنتاج طرازات من المسيرات التركية، في خطوة عكست استمرار الشراكة الدفاعية رغم حساسية العلاقة مع موسكو.

دبلوماسيا، سعت تركيا إلى تقديم نفسها كوسيط بين الطرفين. فقد استضافت محادثات مباشرة بين موسكو وكييف في إسطنبول، ولعبت دورا في ملفات إنسانية مثل تبادل الأسرى. وفي سبتمبر/ أيلول 2022، شكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظيره التركي رجب طيب أردوغان على وساطة أنقرة في صفقة تبادل شملت 215 أوكرانيا. كما استضافت إسطنبول لاحقا جولات تفاوضية جديدة، من بينها محادثات 2025 التي أفضت إلى اتفاق على تبادل أسرى واسع رغم فشلها في تحقيق وقف لإطلاق النار.

ومن أبرز نجاحات الوساطة التركية اتفاق ممر الحبوب عبر البحر الأسود، الذي وُقّع في إسطنبول في يوليو/ تموز 2022 بوساطة تركيا والأمم المتحدة وبمشاركة روسيا وأوكرانيا. وقد سمح الاتفاق بتصدير الحبوب والمواد الغذائية من الموانئ الأوكرانية إلى الأسواق العالمية، في وقت كانت الحرب تهدد الأمن الغذائي العالمي وترفع أسعار الغذاء والطاقة.

ويعكس الموقف التركي في مجمله ما يمكن وصفه بسياسة "التوازن النشط": أنقرة تقف مع وحدة الأراضي الأوكرانية وترفض ضم القرم، وتقدم دعما دفاعيا لكييف، لكنها في الوقت نفسه لا تريد خسارة العلاقة مع موسكو أو تحويل البحر الأسود إلى ساحة مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو. ولهذا تفضّل تركيا وقف إطلاق النار والتفاوض والحلول المرحلية، مع الحفاظ على هامش مناورة واسع بين الغرب وروسيا.

وتستند هذه المقاربة إلى حسابات جيوسياسية أوسع؛ فتركيا ترى أن أمن البحر الأسود يمس أمنها القومي مباشرة، وأن أي انهيار كامل في العلاقة مع روسيا قد ينعكس على ملفات حساسة مثل سوريا والطاقة والتجارة والسياحة. وفي المقابل، تدرك أن دعم أوكرانيا يعزز موقعها داخل الناتو ويمنحها دورا محوريا في معادلة الأمن الأوروبي. ومن هنا، لم يكن موقفها انحيازا كاملا إلى أحد الطرفين، بل محاولة لإدارة الحرب بما يحفظ مصالحها ويمنع توسعها إقليميا.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!