بارتو إيكن - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس

بدت المشاهد التي عُرضت أمس في موسكو، للوهلة الأولى، وكأنها صورة اعتيادية ليوم النصر. جنود يسيرون في الساحة الحمراء، وطائرات حربية تحلق في السماء، وأناشيد سوفياتية، وقادة أجانب يجلسون في المنصات... لكن القصة الحقيقية لهذا العام لم تكن في الساحة، بل في الأشياء الغائبة. لأن ما لفت الانتباه هذه المرة لم يكن ما أظهرته روسيا، بل ما لم تُظهره.

فأرتال الدبابات الثقيلة، التي كانت في السنوات الماضية الواجهة الأبرز للكرملين، اختفت تقريباً بالكامل. وتم تنفيذ انقطاعات للإنترنت، وتقييد شبكات الهاتف المحمول، وأُدخلت موسكو في نوع من التعتيم الرقمي تحت إجراءات أمنية استثنائية. روسيا التي كانت تحاول في فترة ما فرض تفوق نفسي عبر الاستعراض العسكري، باتت اليوم تبعث برسالة مختلفة:

“ما زلنا صامدين.”

تأكيد بوتين على المعركة طويلة الأمد

عند التدقيق في خطاب الرئيس الروسي بوتين، يتضح بجلاء كيف تطورت الحرب فعلياً. فالكرملين لم يعد يقدم الحرب الأوكرانية كعملية قصيرة الأمد. بل إن لغة “العملية العسكرية الخاصة” نفسها بدأت تتراجع تدريجياً. وحلّت محلها رواية أكثر تاريخية، وأكثر أيديولوجية، وأطول نفساً. فبوتين لم يعرّف الجبهة الأوكرانية اليوم على أنها مجرد صراع مع إدارة كييف. بل إن معظم الخطاب ركّز على فكرة مقاومة تاريخية كبرى تُخاض ضد الناتو. ولهذا السبب جرى تقديم الجنود الروس بوصفهم امتداداً لجيل الحرب العالمية الثانية.

والهدف هنا واضح تماماً: تحويل الحرب من إطار التكاليف العسكرية اليومية إلى معركة حضارة وذاكرة. فكلما طالت الحروب، تتغير نفسيات المجتمعات. ويبدأ الناس بطرح سؤال: “متى ستنتهي؟”. والكرملين، عند هذه النقطة تحديداً، يحاول توسيع معنى الحرب لا مدتها.

الرواية الروسية الجديدة

في الواقع، كانت هذه إحدى أهم الرسائل التي حملها احتفال اليوم. فروسيا لم تعد تشدد على سرعة النصر، بل على القدرة على الصمود بحد ذاتها. وهذه نقطة تحول مهمة.

في المراحل الأولى من الحرب، كان الكرملين يركز أكثر على صورة الجيش الحديث. فقد كانت الوحدات المتقدمة بسرعة، والصواريخ فرط الصوتية، والدبابات من الجيل الجديد، في الواجهة. أما اليوم فقد تبدل المشهد بالكامل. وأصبحت صور الطائرات المسيّرة، وحروب الخنادق، ولغة الصمود، هي السائدة. وهذا التغيير لا يعني تحولاً عسكرياً فحسب، بل تحولاً نفسياً أيضاً. لأن الحروب الطويلة تدفع الدول، شاءت أم أبت، إلى نوع من ردود الفعل ذات الطابع السوفياتي. إذ يُعاد إحياء مفاهيم الصبر، والتضحية، والإحساس بالحصار، والصدمات التاريخية. وهذه بالتحديد كانت أهمية الخطاب الذي ألقاه بوتين.

هل موسكو وحيدة؟ أم أن لديها ما زال أصدقاء أقوياء؟

من أكثر التفاصيل التي لفتت انتباه الغرب، الحضور الواضح للجنود الكوريين الشماليين، والمشاهد القريبة مع الصين. فروسيا، التي كانت تسعى يوماً إلى الاندماج مع الغرب، لم تعد تخفي أنها تبني مجدداً كتلة مختلفة. بل إنها تعرض ذلك بصورة متعمدة. ولهذا السبب بدا الاحتفال في موسكو وكأنه إعلان عن الخط الجيوسياسي الجديد.

ومن العناصر اللافتة الأخرى أيضاً تلك المسافة التي ظهرت لدى بعض بلدان الفضاء السوفياتي السابق. فالكرملين كان يستخدم يوم النصر منذ سنوات طويلة كمركز رمزي يُبقي مجال نفوذه القديم متماسكاً. لكن نبرة المشاركة هذا العام لم تكن بالقوة نفسها كما في السابق. وبرز بشكل خاص الموقف المتحفظ لبعض دول آسيا الوسطى.

وهذا يكشف في الواقع أن روسيا تخوض، بالتزامن مع استمرار الحرب، معركتين مختلفتين: الأولى هي الحرب على الجبهة، والثانية هي معركة الحفاظ على مجال نفوذها القديم.

لماذا لا يكفي وقف إطلاق النار؟

إن مبادرات وقف إطلاق النار التي يجري الحديث عنها في الأيام الأخيرة، واحتمال تنفيذ عملية تبادل أسرى كبيرة، تُعد بالطبع أموراً مهمة. لأنها تظهر أن الدبلوماسية لم تمت بالكامل. لكننا نرى في المشهد الحالي أن الأطراف ما زالت غير متفقة على معنى الحرب نفسه. بالنسبة لأوكرانيا، هذه حرب استقلال وهوية... أما بالنسبة لروسيا، فهي معركة مقاومة استراتيجية ضد الناتو. ولهذا السبب، فإن اتفاقات وقف إطلاق النار لبضعة أيام قد تخفف من وتيرة القتال، لكنها لا تزيل سبب الحرب.

في الحروب الحديثة، لا تُبنى الجبهات أحياناً على الأرض، بل على الذاكرة. والكرملين فعل ذلك في فعالية يوم النصر. فقد حاول تعويض غياب الدبابات بالسردية التاريخية. وربما كانت هذه هي الرسالة الأقوى التي وُجهت اليوم من الساحة الحمراء:

روسيا لم تعد تقول: “سننتصر بسرعة”.

بل تقول:

“سنصمد لفترة طويلة.”

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!