
أرطغرل جنغل - خبر7 - ترجمة و تحرير ترك برس
لم تكن كرة القدم يومًا مجرد رياضة، بل برزت أيضًا بوصفها منظومة تتداخل فيها، على المستوى العالمي، رؤوس الأموال والسياسة والقوة.
أحلام الطفولة لمليارات البشر، والحماس في الملاعب، وتلك البهجة العفوية في أزقة الشوارع، أصبحت منذ آخر كأس للعالم محل نقاش مكثف بسبب ممارسات التمييز على الساحة الدولية، والعلاقات التجارية، والصفقات القذرة.
ويتصدّر اسم رئيس الفيفا جياني إنفانتينو محور هذه النقاشات. فالرجل الذي يتعرض لانتقادات حادة بسبب قربه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجلسات المديح المبالغ فيها بحقه، بات كرسيه يهتز الآن أيضًا بفعل مزاعم تضارب المصالح والجدل الدائر حول تسليع كرة القدم.
فضائح ترامب التمييزية في كأس العالم
كان منح إنفانتينو، في ديسمبر ٢٠٢٥، جائزة سلام أُعدّت لأول مرة في تاريخ الفيفا للرئيس الأمريكي ترامب، الذي لم يتمكن من الحصول على جائزة نوبل للسلام، في محاولة لكسب وده، قد أثار انتقادات واسعة في عالم كرة القدم.
وخلال كأس العالم التي استضافتها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا وفازت بها إسبانيا، ألقت سياسات إدارة ترامب المتشددة تجاه الهجرة، وقرارات حظر السفر، والإجراءات الحدودية المثيرة للجدل، بظلالها على البطولة.
فقد واجه مشجعو أكثر من ربع الدول الـ٤٨ المشاركة في كأس العالم إما حظرًا على السفر أو عقبات خطيرة في الحصول على التأشيرات.
ومن عمليات التفتيش التي بدأت بحق اللاعبين السنغاليين فور وصولهم إلى مدرج الطائرة، إلى تفتيش بعثة أوزبكستان باستخدام الكلاب، واستجواب نجم المنتخب العراقي أيمن حسين لساعات طويلة، شهدت الولايات المتحدة خلال آخر كأس للعالم العديد من الممارسات المشينة.
لكن الحادثة الأكثر إحراجًا كانت ما تعرض له الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي اختاره الفيفا بوصفه أنجح حكم إفريقي للمشاركة في كأس العالم.
فعلى الرغم من حيازته تأشيرة أمريكية سارية وجواز سفر دبلوماسي، خضع أرتان لاستجواب دام ١١ ساعة في مطار ميامي، ثم أُعيد إلى بلاده بسبب سياسات ترامب التمييزية.
تعذيب لوجستي لإيران وفضيحة البطاقة الحمراء
أما المنتخب الإيراني المشارك في كأس العالم، فقد تعرض لأشد المعاملات قسوة بسبب الحرب القذرة التي بدأها ترامب.
واضطرت البعثة الإيرانية إلى إقامة معسكرها في المكسيك بدلًا من الولايات المتحدة بسبب عوائق التأشيرات، وحُكم عليها بمعاناة لوجستية لا إنسانية، بحيث لا تدخل الولايات المتحدة وتخرج منها إلا في أيام المباريات وكأن أفرادها «مسافرون متسللون».
وفي هذه الأثناء، حوّل عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية الملاعب التي أقيمت فيها المباريات إلى ما يشبه مراكز لصيد المهاجرين، ونفذوا عمليات احتجاز. أما إنفانتينو، الذي تحول إلى «دمية» لترامب، فظل صامتًا إزاء هذه الممارسات المشينة، وواصل إغداق المديح على ترامب.
كما أن إنفانتينو لم يرد طلب ترامب بإلغاء عقوبة البطاقة الحمراء المفروضة على لاعب المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون، ما أدى إلى فضيحة جديدة. وفي مواجهة كل ما حدث، أطلق عشرات الآلاف من مشجعي كرة القدم الحقيقيين الذين ملؤوا الملعب في المباراة النهائية لكأس العالم صيحات استهجان ضد ترامب وإنفانتينو لعدة دقائق، في أقوى رد فعل على هذه الممارسات التمييزية. وفي هذه الأثناء، حقق الفيفا، بقيادة إنفانتينو الذي رفع عدد الدول المشاركة في كأس العالم من ٣٢ إلى ٤٨، وعدد المباريات من ٦٤ إلى ١٠٤ بدعوى زيادة التنوع، إيرادات قياسية بلغت نحو ١٥ مليار دولار من البطولة.
عملية إنفانتينو الرأسمالية مع عائلة كوشنر تصطدم بالجدار
أما أحدث فضائح إنفانتينو، الذي يتحدث في كل فرصة عن الدور الجامع لكرة القدم لكنه يتخذ، بممارساته المنافقة، موقفًا معاكسًا تمامًا، فجاءت عبر الخطوة القذرة التي أقدم عليها في سبيل تسليع كأس العالم.
إذ سعى إنفانتينو إلى بيع حصة قدرها ٢١ بالمئة من شركة جديدة ستُنشأ تحت اسم «فيفا فوروارد إنتربرايز» لإدارة حقوق البث ومبيعات التذاكر الخاصة ببطولات كأس العالم، إلى مجموعة استثمارية خاصة.
وبحسب الوثائق التي كشفت عنها صحيفة لوس أنجلوس تايمز، كان إنفانتينو يعد الاتحادات الكروية في الدول الـ٢١١ الأعضاء في الفيفا بمنح تصل إلى ٤٠ مليون دولار لكل منها، على هيئة «مساعدات» تشبه الرشى، مقابل دعمها لهذه العملية المالية.
والأخطر من ذلك أن الشخص الذي كُشف عن أنه سيدير هذه الحصص التجارية الضخمة، التي تصل قيمتها إلى ٢٠ مليار دولار وتوصف بأنها أكبر مشروع «مصالح» في تاريخ الرياضة، هو جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر ترامب.
ولا تقتصر صلة عائلة كوشنر بترامب على كونها من أقرب المقربين منه، بل إنها أيضًا، بهويتها اليهودية، من أبرز الداعمين لإسرائيل التي ترتكب الإبادة الجماعية.
كما تزعم الوثائق التي كشفتها الصحيفة أن إنفانتينو، الذي يهدف إلى إعادة انتخابه، كان يخطط لتولي رئاسة هذه الشركة الجديدة بعد انتهاء ولايته في رئاسة الفيفا عام ٢٠٣١، والحصول على راتب سنوي يقارب ٦٤ مليون دولار.
وقد تحولت ردود الفعل على عملية إنفانتينو الرامية إلى جعل كأس العالم، الذي يوحد المجتمعات، بمثابة الحديقة الخلفية لرؤوس أموال المحيط العائلي لترامب والأخوين كوشنر الداعمين لإسرائيل، إلى حالة من الغضب العارم.
وفي مواجهة هذه الشراكة بين كوشنر وإنفانتينو، التي امتزجت فيها القوة السياسية بالنفوذ التجاري، أصدرت اتحادات كرة القدم في ثلاث قارات، وهي اليويفا والكونكاكاف والاتحاد الآسيوي لكرة القدم، بيانًا مشتركًا وصفت فيه الأمر بأنه «انتهاك كامل للثقة وخداع».
وأمام ردود الفعل القاسية والدعوات إلى الاستقالة الصادرة عن الاتحادات والسلطات الكروية، اضطر رئيس الفيفا إنفانتينو إلى تقديم اعتذار عاجل قائلًا: «لقد ارتكبنا أخطاء».
مزاعم ترشيح ترامب لإنفانتينو لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة
وبعد انكشاف هذه الشراكة القذرة، دخل ترامب على الخط، مدافعًا عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي عن إنفانتينو، معتبرًا أن إقالته ستكون «خطأ فادحًا».
إن هذا الدعم القوي الذي قدمه ترامب لإنفانتينو، والذي ادعى أنه أدار «أنجح كأس عالم في التاريخ»، يشكل في الواقع دليلًا واضحًا على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها كرة القدم إلى درع سياسي في سبيل المصالح.
بل إن وسائل إعلام أمريكية، وعلى رأسها صحيفة نيويورك بوست، تناولت احتمال أن يكون ترامب يفكر في إنفانتينو، الذي يراه شخصية لن تخرج عن كلمته، لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
ويسعى ترامب، الذي أوقف الدعم المالي الأمريكي أو انسحب من أكثر من ٦٠ مؤسسة دولية، بينها منظمة الصحة العالمية واليونسكو ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى إخضاع الأمم المتحدة بالكامل لخطه السياسي.
ويُزعم أنه يهدف إلى إدارة الدبلوماسية العالمية كما لو كانت شركة، من خلال وضع بيروقراطي رياضي موالٍ له، سبق أن منحه «جائزة الفيفا للسلام»، على رأس الأمم المتحدة.
غير أن مدى قدرة هذه المزاعم، التي لم تكتسب طابعًا رسميًا، على تلبية تطلعات إنفانتينو، يبقى موضوعًا آخر للنقاش.
ذلك أن إنفانتينو يتقاضى نحو ٦ ملايين دولار سنويًا بصفته رئيسًا للفيفا، بينما لا يتجاوز الراتب السنوي للأمين العام للأمم المتحدة نحو ٤١٨ ألف دولار. وهذا يعني أنه في حال أصبح إنفانتينو أمينًا عامًا للأمم المتحدة، فسيتعرض دخله لانخفاض يبلغ نحو ١٤ ضعفًا.
كما أن الحاجة إلى الحصول على دعم الأعضاء الـ١٥ في مجلس الأمن والجمعية العامة في الانتخابات المقرر إجراؤها في ديسمبر لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، تجعل من هذا الاحتمال ضعيفًا للغاية من حيث التوازنات الدولية.
انكشاف فضائح إنفانتينو القديمة
حتى وإن طُرح اسمه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، فإن الفضائح المرتبطة بإنفانتينو، الذي حول كرسي رئاسة الفيفا إلى طاولة للمساومات بين الطموحات المالية والنفوذ السياسي، لا تتوقف.
والآن، يجد إنفانتينو نفسه مضطرًا لمواجهة فضائحه القديمة التي جرى كنسها تحت السجاد.
فبحسب أحدث المزاعم التي طرحتها صحيفة ذا تلغراف البريطانية؛ يُدعى أن إنفانتينو أقام علاقة مع موظفة خلال الفترة التي شغل فيها منصب الأمين العام لليويفا بين عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٦، رغم كونه متزوجًا.
وكُشف أن هذه المرأة تلقت عند مغادرتها المؤسسة مبلغًا ضخمًا من ستة أرقام، أي مئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية، بوصفه «ثمنًا للصمت» أو، بالتسمية المنمقة، «تعويضًا عند الانفصال».
وزاد من خطورة القضية تأكيد متحدث باسم اليويفا أن هذا التعويض الفلكي، بل وحتى تكاليف دراسة المرأة للحصول على ماجستير إدارة الأعمال، قد تم دفعها من خزينة المؤسسة. أما نفي معسكر إنفانتينو لهذه الادعاءات بوصفها «كذبًا قاطعًا» و«افتراءات»، والدفاع بأن الأمر «كان متوافقًا مع اللوائح المعمول بها في ذلك الوقت»، فيمثل وثيقة بليغة حول الكيفية التي يمكن بها ليّ القانون والأخلاق.
هل البطاقة الحمراء في انتظار إنفانتينو في انتخابات الفيفا؟
وبعد كل ما جرى، لم يعد الحديث يقتصر على منصب الأمين العام للأمم المتحدة، بل أصبح الحفاظ على إنفانتينو لكرسيه نفسه محل نقاش واسع في عالم الرياضة الدولي.
ذلك أن إنفانتينو، الذي يتولى رئاسة الفيفا منذ سنوات، ظن أنه يستطيع، من خلال تسليع كرة القدم، انتزاعها من أيدي الناس وتحويلها إلى لعبة بيد النخب ورأس المال العالمي والمحيط العائلي لترامب.
لكن أمام تحدي اليويفا والاتحاد الآسيوي لكرة القدم والكونكاكاف، اضطر هذه المرة إلى التراجع.
ويبدو أن إنفانتينو، الذي ضحى بشرف كرة القدم من أجل دعم ترامب، وتغاضى عن ممارسات بلغت حد العنصرية، وسمح بأن تخضع اللعبة لحسابات مصالح عائلة كوشنر، قد هزّ الثقة والدعم الممنوحين له بصورة خطيرة.
ولهذا بدأت بالفعل الكواليس تنشط بحثًا عن مرشحين لمواجهة إنفانتينو في انتخابات رئاسة الفيفا المقرر إجراؤها في مارس من العام المقبل في المغرب.
ويُشار إلى أن فيكتور مونتالياني، الكندي الذي يرأس اتحاد كرة القدم لأمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي، يبرز باعتباره أقوى منافس لإنفانتينو.
كما يُتداول احتمال ترشح أسماء مختلفة، من بينها الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، المسؤول البحريني الذي يرأس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم ويشغل منصب النائب الأول لرئيس الفيفا، وصولًا إلى ليزه كلافينيس، رئيسة الاتحاد النرويجي لكرة القدم.
وستُظهر انتخابات مارس ما إذا كان إنفانتينو قادرًا على الاحتفاظ بكرسيه بعد هذه التطورات التي اتخذت طابع الفضائح.
إن كرة القدم، التي توحد مليارات البشر ومختلف الشعوب، أكبر من الصورة التي يلتقطها رؤساء الفيفا مع الشخصيات السياسية، وأكبر من أن تكون جزءًا من محفظة استثمارية لعائلة كوشنر الداعمة لإسرائيل التي ترتكب الإبادة الجماعية، أو وسيلة لتحقيق حسابات إنفانتينو الشخصية وطموحاته الخاصة.
وإذا لم تواصل اتحادات كرة القدم في العالم مقاومتها لهذا المسار غير المبدئي والفساد المؤسسي حتى النهاية، فإن ما سيُشاهد في المستقبل لن يكون كأس عالم، بل مشاهد جديدة من التمييز وسوقًا حيًا لحسابات المصالح.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











