ترك برس

يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة تحولات جذرية تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتسم بسياساته غير المتوقعة ورغبته الجامحة في الهيمنة، الأمر الذي أدى إلى زعزعة التوازنات العالمية على مستويات متعددة.

فمن الدعم اللامحدود لإسرائيل في غزة، مروراً بإشعال حرب مظلمة ضد إيران، وصولاً إلى العمليات غير القانونية في فنزويلا والتحركات التوسعية تجاه كندا وكوبا وغرينلاند، يعمل ترامب على إغراق العالم في عاصفة من التوترات. 

غير أن هذا الفوضى لم تعد مقتصرة على سطح الأرض، بل امتدت إلى الفضاء الخارجي، حيث أعلنت الإدارة الأمريكية مؤخراً عن نشر أسلحة في المدار، معلنة بذلك بداية عصر جديد تتحول فيه حدود الحروب إلى ما وراء الغلاف الجوي.

في مقال بصحيفة "خبر7"، يتحدث الكاتب التركي أرطغرل جينغيل، عن أجندة البنتاغون المظلمة في الفضاء، مستنداً إلى تصريحات رفيعة المستوى صدرت في منتصف سبتمبر. فقد أعلن وزير القوات الجوية الأمريكية تروي مينك وجود أسلحة للسيطرة على الفضاء في المدار، وهو ما أكده قائد قوات الفضاء الجنرال دوغلاس شيس الذي أوضح أن جنود الفضاء يديرون هذه الأسلحة. 

ثم جاء تصريح رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين ليرسم أبعاداً أوسع، مؤكداً ضرورة استعداد الجيش الأمريكي للقتال من قاع البحار حتى المنطقة الواقعة بين الأرض والقمر (الفضاء السيزلوناري). بهذا لم يعد خريطة الحرب الأمريكية تقتصر على اليابسة والبحار والجو، بل باتت تشمل مدار الأرض والمنطقة المحيطة بالقمر، في تحول جوهري يوسع جغرافية الصراع إلى الفضاء نفسه.

ولتأمين هذه الرؤية العسكرية، خصصت الولايات المتحدة ميزانية قياسية لقطاع الفضاء تبلغ 71 مليار دولار في عام 2027، أي ما يقارب ضعف الميزانية الحالية، مع تخصيص أكثر من 40 مليار دولار منها لأبحاث وتطوير الأسلحة الفضائية. 

كما تخطط لزيادة عدد أفراد قوات الفضاء المعروفة باسم «الجارديان» بنسبة 27% بحلول عام 2031 ليصل إلى 37 ألفاً، بينهم 25 ألف عسكري و12 ألفاً و500 مدني متخصص. وتسعى واشنطن إلى نشر قدرات جديدة تشمل أسلحة الليزر ومشوشات السيبر وأنظمة صيد الصواريخ الفرط صوتية عبر الأقمار الصناعية. ويرى الكاتب أن هذه الخطوات تغير اتجاه سباق الفضاء من الاستكشاف العلمي إلى تحويله إلى ساحة قتال وحشية.

ويشير جينغيل في مقاله إلى انتهاء مرحلة الصمت الطويل التي كانت تدّعي حماية الفضاء لأغراض سلمية، لتحل محلها هيمنة فضائية صارمة. ورغم أن تفاصيل هذه الأسلحة – طبيعتها وعددها ومداراتها وقدراتها على الهجوم المادي أو الحرب الإلكترونية أو الطاقة الموجهة – تبقى سرية، إلا أن مجرد الاعتراف بنشرها يمثل نقطة تحول تاريخية. 

فبدلاً من القول إنها تستعد لحرب فضائية، أعلنت أمريكا صراحة أن لديها بالفعل أسلحة قادرة على القتال في الفضاء، متحدية بذلك منافسيها. وتستغل واشنطن المناطق الرمادية في معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 لتحويل المدار إلى ترسانة، مستندة إلى ذرائع تتعلق بقدرات روسيا والصين المضادة للفضاء وشبكات الصين الاستراتيجية في المنطقة السيزلونارية، في مسرحية مزدوجة المعايير تدّعي الدفاع والعلم بينما تسعى إلى إطلاق الرصاصة الأولى.

وفي هذا السياق، يبرز دور رجل الأعمال إيلون ماسك كعنصر محوري في الإمبراطورية الفضائية الأمريكية. إذ تعتمد استراتيجيات واشنطن في الفضاء بشكل شبه كامل على التقنيات التي طورتها شركاته. فقد غير ماسك هيكل الصناعات الدفاعية التقليدية من خلال عقود سرية مثل الاتفاق البالغ 1.8 مليار دولار مع مكتب الاستطلاع الوطني الأمريكي، ومشروع «ستارشيلد» الذي يحول شبكة الأقمار الصناعية إلى نظام استخباراتي عالمي قادر على رصد الأهداف على الأرض وتدميرها في ثوانٍ. 

واستُخدمت هذه الشبكة، بالتكامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل كلود من أنثروبيك وغوثام من بالانتير وأنظمة إسرائيلية، في حرب إيران لاستهداف شخصيات رفيعة المستوى. ولقاء هذه الخدمات يحصل ماسك على مليارات الدولارات سنوياً من البنتاغون، مما يجعله عنصراً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه في الأمن القومي الأمريكي، حيث تحمل شركاته الأحمال العسكرية السرية وتنشر شبكات الاستخبارات وتبني العمود الفقري اللوجستي للجبهة بين الأرض والقمر.

ويخلص الكاتب إلى أن حدود الأرض لم تعد كافية للقوى الساعية إلى الهيمنة، التي حولت الكوكب إلى ساحة للكوارث عبر العمليات الدموية والاحتلالات غير الشرعية والاغتيالات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وها هي الآن تنقل الوحشية ذاتها إلى أعماق الفضاء. فقد أصبحت المنطقة السيزلونارية ساحة التنافس والصراع الجديدة، وتحول السماء التي كانت مصدر أمل إلى ترسانة للآلات العسكرية الصناعية. 

ويحذر من أن البنادق المنصوبة اليوم في المدار ستوجه غداً نحو البشرية نفسها، وأن البنية التحتية العسكرية التي تُكتب عقائدها وتُخصص ميزانياتها وتُبنى لوجستياتها تنتهي دائماً بالانفجار. بذلك لا تعود البشرية إلى القمر من أجل السلام، بل تصدر حروبها الاستعمارية وأسلحتها إلى الفضاء، لتلد السماء البريئة مستقبلاً أشد ظلمة مما شهدته البشرية من قبل.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!