ترك برس

لو طُلب مني اختيار بلد ثانٍ بعد تركيا، لقلت بلا تردد: البرازيل. هكذا يفتتح غوربوز إيفرين مقالا له في موقع إندبندنت تركية، مستذكراً زيارته الأولى في شباط/فبراير 2022 ضمن إطار دراسة دكتوراه، حين شعر منذ خروجه من مطار غواروليوس في ساو باولو متجهاً إلى كامبيناس أن هذا البلد سيكون وطناً ثانياً له. ومع تعرّفه إلى مختلف شرائح المجتمع البرازيلي وتجواله في أنحاء البلاد، ازداد ارتباطه بها، حتى بات يتابع كل تطوراتها عن كثب، لا سيما تلك المتعلقة بتخصصه.

ويتحوّل إيفرين هذه المرة إلى موضوع الانتخابات الرئاسية المقررة في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026. فالرئيس الحالي اليساري لولا دا سيلفا، رغم بلوغه الثمانين، يترشح مجدداً. وأبرز منافسيه هو فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو الذي يقبع حالياً في السجن بعد خسارته انتخابات 2022.

ويشير الكاتب إلى أن غالبية أصدقائه البرازيليين، خاصة أساتذة الجامعات، كانوا يدعمون لولا في الانتخابات السابقة، بينما كان أصدقاؤه من اليمين يكرهونه كراهية شديدة. ويلفت إلى تشابه غريب في المصير بين الرجلين: عندما انتُخب بولسونارو في تشرين الأول/أكتوبر 2018 كان لولا قد دخل السجن بتهم غسل أموال وفساد، ليفرج عنه في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 بعد أكثر من عام ونصف ويسقطت عنه القضايا. ثم عاد لولا وانتُخب رئيساً في 2022، ليُحكم على بولسونارو هذه المرة في 2025 بالسجن 27 عاماً بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري.

ويحذّر إيفرين من مقارنة اليمين واليسار المتطرفين في البرازيل بنظيريهما الأوروبيين، مؤكداً أن المفاهيم هناك تحمل معاني مختلفة تماماً. أما البرازيل نفسها فهي أكبر دول أميركا الجنوبية من حيث السكان والمساحة والاقتصاد، وتمتلك ثروات هائلة: احتياطيات نفطية وغازية، ذهب وأحجار كريمة وعناصر أرضية نادرة، منتجات غابات، وهي من أكبر منتجي قصب السكر والبن وفول الصويا في العالم. 

غير أن هذه الثروات لا تُوزَّع بعدالة على 214 مليون نسمة. فـ1% من السكان فاحشو الثراء، بينما يعيش 42% في فقر مدقع، خاصة في الشمال والشمال الشرقي. أما الجنوب، حيث يتركز نحو 10 ملايين من أصول ألمانية في ولايات سانتا كاتارينا وريو غراندي دو سول وبارانا، فهو أغنى بكثير، ويذكر الكاتب أنه فوجئ بتشابه هذه المناطق مع ألمانيا عند زيارتها أول مرة.

ويؤكد إيفرين أن الفقر يغذي العنف والمخدرات والعصابات والمافيا، وأن أحياء «الفافيلا» المحيطة بالمدن الكبرى تجمع بين الفقر والجريمة والعنف في آن واحد. ولهذا بنى كل من لولا وبولسونارو حملتيهما على وعود موجّهة للفقراء، لأنهم من سيحددون مصير الانتخابات مجدداً.

فقد رفع لولا مساعدات «بولسا فاميليا» للعائلات الفقيرة بنسبة 15% اعتباراً من تشرين الأول/أكتوبر، لتصبح 691 ريالاً بدلاً من 600، وارتفع دخل المواطنة للفرد من 142 إلى 164 ريالاً، ومساعدة الأطفال دون السادسة من 150 إلى 173 ريالاً (علماً أن الريال البرازيلي يعادل نحو 9.50 ليرة تركية). ويذكّر الكاتب بأن لولا هو من أسس هذا البرنامج خلال ولايتيه السابقتين (2003-2011)، وأنه ساهم في تقليص الفقر المدقع بشكل كبير ويغطي نحو 27 مليون ناخب وما يقارب 50 مليون شخص مع عائلاتهم، ما يمنحه قاعدة دعم واسعة. ويُمنح البرنامج حالياً للعائلات التي لا يتجاوز دخل الفرد فيها 218 ريالاً.

وكان اليمين، وعلى رأسه بولسونارو، ينتقد البرنامج، لكنه لم يلغه خلال رئاسته (2018-2022). بل وعد قبل انتخابات 2022 بزيادة بنسبة 50%، فرفع فريق لولا دعوى قضائية متهمين إياه بإساءة استخدام موارد الدولة والسلطة السياسية. واليوم رفع فريق فلافيو بولسونارو دعوى مماثلة ضد زيادة لولا بنسبة 15%.

أما فلافيو بولسونارو فقد وعد بدوره بزيادة كبيرة في المساعدات الاجتماعية للفقراء، وأضاف دعماً شهرياً بقيمة 727 ريالاً لسائقي سيارات الأجرة والشاحنات، إلى جانب حملة توعية حول مخاطر الاستدانة بسبب القمار، الذي يُعد مشكلة كبيرة في البرازيل.

ويحذّر الاقتصاديون من أن زيادات المساعدات التي يعد بها المرشحان ستغذي التضخم، معتبرين أن السياسيين الشعبويين يضرون بالبلاد. ورغم أن كلا المرشحين يطرحان مشاريع في الذكاء الاصطناعي والصحة والبنية التحتية والتعليم، فإن غالبية الناخبين يركزون اهتمامهم على وعود المساعدات الاجتماعية.

ولهذا يرى إيفرين أن ما يجري بين لولا وبولسونارو ليس مجرد سباق انتخابي، بل مزاد علني حول من سيقدّم أكبر مساعدات للفقراء.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!