
حسن حسين أوز - ستار (21/05/2026) - ترجمة وتحرير ترك برس
إن ذهاب بوتين إلى بكين مباشرة بعد زيارة ترامب إلى الصين يحمل معنى يتجاوز مجرد اتصالين دبلوماسيين منفصلين. فقد كانت زيارة ترامب أقرب إلى محاولة لتذكير العالم بالثقل الأمريكي القديم. لكن الصورة التي ظهرت بعد الزيارة أظهرت أن واشنطن لم تتمكن من جذب الصين إلى الخط الذي تريده.
أما زيارة بوتين فقد فتحت مستوى مختلفًا. كانت أقل استعراضًا، لكنها استندت إلى أرضية أكثر واقعية. ففي المباحثات بين الصين وروسيا، جرى تناول النظام العالمي متعدد الأقطاب، والتجارة خارج الدولار، وخطوط الطاقة، والتعاون العسكري، والسيادة التكنولوجية، والأزمات الإقليمية ضمن إطار واحد. وهذا يُعد تعبيرًا قويًا عن السعي إلى إنشاء مساحة أكثر تحصينًا في مواجهة أدوات الضغط التي يفرضها النظام المتمركز حول الولايات المتحدة.
وتبرز أولى ركائز هذا التوجه في المجال المالي. فالصين وروسيا تدفعان باليوان والروبل إلى الواجهة في التجارة. وتحاولان تقليص تأثير الدولار. كما تركزان على أنظمة دفع وخدمات مصرفية لا تتأثر بالعقوبات الغربية. وهذه الخطوات تخرج تعبير «التعددية القطبية» من كونه مجرد شعار سياسي. إذ لا يمكن بناء ادعاء قوة جديد من دون المال، وأنظمة الدفع، وخطوط التجارة.
لكن الصين لا تتصرف بتسرع في هذه العملية. لأن الصين حققت نموها خلال العقود الثلاثة الماضية إلى حد كبير داخل النظام العالمي القائم. فقد صعدت في فترة كان الدولار فيها العملة العالمية، وكانت الطرق البحرية تتشكل وفق البنية الأمنية الأمريكية، وكانت الأسواق الغربية تغذي نظامها الإنتاجي. ولهذا فإن حسابات بكين لا تقوم على هدم النظام القائم دفعة واحدة، بل على فتح مساحة أوسع وأكثر أمانًا لنفسها داخل ذلك النظام.
أما من منظور روسيا، فالصورة أكثر حدة. فموسكو ترى خط الصين باعتباره أكثر استراتيجية بسبب علاقاتها المتوترة مع الغرب. ولهذا تكتسب المناورات العسكرية المشتركة، والدوريات الاستراتيجية، وتقنيات الدفاع، والموقف المشترك ضد أنظمة الدفاع الصاروخي أهمية متزايدة.
أما ملف الطاقة فهو العمود الفقري لهذا الخط. فخط أنابيب الغاز الطبيعي «قوة سيبيريا 2»، وإمدادات النفط، والطاقة النووية، وطريق بحر الشمال، كلها تنقل العلاقات الصينية-الروسية إلى ما هو أبعد من حدود الدبلوماسية اليومية. وفي الوقت الذي تجعل فيه التوترات في مضيق هرمز والشرق الأوسط الطرق البحرية أكثر هشاشة، تصبح الخطوط البرية والشمالية أكثر استراتيجية. وكلما زادت الولايات المتحدة من ضغوطها في البحار، ازدادت أهمية الخطوط الداخلية لأوراسيا.
وهناك أيضًا نوع مماثل من التفاهم المتبادل في ملفات أوكرانيا وتايوان وإيران. فالصين تقول إنها تتفهم المخاوف الأمنية لروسيا. أما روسيا فتدعم بوضوح مبدأ «الصين الواحدة» بشأن تايوان. وفي ما يتعلق بإيران والشرق الأوسط، يجري بناء خطاب مشترك ضد التدخلات الخارجية. وهذا الخطاب يغذي اعتراضًا مشتركًا على الطريقة التي يدير بها الغرب الأزمات.
ومع ذلك، فإن هذه الصورة لا تعني وجود نظام عالمي جديد جاهز ومكتمل. فالصين تريد التحرك من دون الانفصال عن النظام القائم. أما روسيا فتبحث عن نتائج أسرع وأكثر حدة. في حين لا تزال الولايات المتحدة تصر على الحفاظ على موقعها المركزي القديم. لكن أكبر مخاوف جميع الأطراف اليوم واحدة: حدوث انهيار هائل في قلب النظام؛ لأنه في حال وقوع مثل هذا الانهيار، لن يبقى أحد بمنأى عنه.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










