
ندرت إرسينيل - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس
تُكتب هذه السطور في اللحظات التي تنتشر فيها تعبيرات قوية عن انتهاء الحرب الإيرانية. فحتى الآن، ما يُسمع من واشنطن يصل إلى حدّ الاعتراف بوجود نصّ اتفاق بات قريباً، بانتظار الموافقة النهائية من طهران…
وفي مكان ما من أوروبا، سيتم السلام بتوقيع نائب الرئيس الأمريكي، وإن لم يحدث فبتوقيع وزير الخارجية.
وحتى قبل ساعات قليلة، لم يكن مفاجئاً أن يعلن ترامب «سنضرب بقوة هذا المساء»، ثم يتحول في الوقت نفسه تقريباً إلى «تراجعنا عن الهجوم، لقد تصالحنا». وفي تلك اللحظات نفسها، كانت قنوات تعرض خرائط للمناطق التي ستُستهدف داخل إيران تقدم مشاهد تراجيدية-ساخرة. والآن تُعقد جلسات لا تنتهي حول المواد، ويتم «إنقاذ الوضع». لكن في الواقع، لا أهمية كبيرة لذلك. المهم هو اللوحة الاسمية.
وإذا لم يحدث تراجع جديد وتم التوقيع فعلاً—وهو ما يبدو أقرب إلى مذكرة تفاهم منه إلى اتفاق سلام—أي إذا انتهت الحرب الأمريكية-الإيرانية… فمن الرابح ومن الخاسر؟ وكيف سيقرأ العالم النتائج السياسية والاستراتيجية لهذه الحرب؟
انسحاب انتخابي…
أولاً، يجب أن نتفق على نقطة: سبب وصول هذا السلام في هذا التوقيت هو الانتخابات.
بل انتخابان: انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في نوفمبر، والانتخابات الإسرائيلية في نهاية أكتوبر.
كان على ترامب أن يعود سريعاً إلى الداخل من ملف إيران، وقد قيل وكتب كثيراً أنه في النهاية سيضطر إلى ذلك، وقد اضطر فعلاً. فحتى لو لم يتعرض لضربة قاسية، فإن الانتخابات مصيرية بالنسبة له…
إذا ذهب ناخبوه إلى صناديق الاقتراع وهم في حالة حرب، فستحدث مشاكل جدية؛ فمع قاعدة «ماجا» تحديداً، سيُحاسَب على حقيقة الدخول في حرب بسبب إسرائيل، وعلى مسار انتهى من «باكس ترامب» إلى الهزيمة أمام إيران…
في الملف الإيراني، هناك فرق حاسم بين سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فنتنياهو يحتاج الحرب ليحقق النجاح في الانتخابات، بينما يحتاج ترامب السلام ليحقق النجاح في الانتخابات.
وحتى لو فُكّك الاتفاق غداً وعادت طهران إلى القصف، فلن يكون ذلك مفاجئاً، لكن هذه المعادلة الانتخابية لن تتغير.
رئيس مهزوم يصل إلى الناتو…
بهذا الشكل، فإن أي اتفاق يُوقّع الآن يشير سياسياً إلى هزيمة أمريكية واضحة.
كان ترامب، في الجولة السابقة من الحرب الإيرانية، قد صادف زيارة الصين عندما تبيّن أن النظام الإيراني سيبقى وأن أي عملية برية ستكون كارثية. هناك فقد السيطرة. ورآه العالم. وبعد أن وجه ملك بريطانيا «طعنة تاريخية» إلى الاستقلال الأمريكي الممتد لـ250 عاماً، أراه شي جين بينغ الأشجار التي تعيش لآلاف السنين…
والآن، يأتي إلى قمة الناتو كرئيس مهزوم أمام إيران!
والأوروبيون، وهم الغالبية الساحقة من أعضاء الناتو، الذين أهانهم ترامب في المسرح العالمي ووصف قدراتهم العسكرية بأنها متدنية، والذين عرقلوا بعض الحسابات الأمريكية في الشرق الأوسط بصمتهم أو بدعم غير مباشر لإيران، وجدوا أنفسهم جزءاً من هذا المشهد. وخصوصاً بريطانيا. ولهذا السبب لم يتمكن ترامب من الحصول على الدعم الذي طلبه من الناتو في ملف إيران، ثم انفجر غضباً.
وفي الوقت نفسه، نجحوا بشكل متعثر في إبقاء أوكرانيا على قيد الحياة. وهناك حالياً مفاوضات سرية بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا؛ وإذا خرج ترامب غداً ليقول «جلبت السلام إلى أوكرانيا»، أو حتى إذا تصاعدت الحرب، فاعلموا أن الفضل سيكون لهذه الدول الأوروبية…
انتقام أوروبا لا ينقذ الناتو…
هل يمكن أن يغير هذا المشهد موقف البيت الأبيض من الناتو؟ خاصة أن مشاركة ترامب في قمة أنقرة كانت موضع شك حتى الأمس، ثم تحولت إلى مصدر تفاؤل عندما أعلن حضوره؟
ليس كثيراً. فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز أمس، استناداً إلى مصادر أوروبية رسمية، أن الولايات المتحدة خفّضت بشكل يفوق التوقعات من قواتها الجوية المخصصة للناتو في أوروبا.
(“خطة الولايات المتحدة لسحب ثلث الطائرات المقاتلة التي تقدمها للناتو في أوروبا”، 12/06، نيويورك تايمز).
كما أكدت قيادة الناتو ذلك لاحقاً. بل إن الوضع قد يقوض هدف الناتو وقدرته الردعية إذا لم تتحرك أوروبا. أي أن الوضع أخطر مما يبدو.
وقد يدفع هذا الدول الأوروبية إلى تسريع استثماراتها الدفاعية، لكن لذلك أيضاً كلفة سياسية على الناتو. وهل يمكنها سدّ الفراغ الأمريكي أم لا؟ هذا نقاش آخر. وإذا سدّته، فذلك نقاش مختلف أيضاً. وكل ذلك سيكون موضوع نقاش في أنقرة…
المرحلة الأولى من العالم الجديد انتهت…
مع اتفاق إيران والولايات المتحدة—إذا تم التوقيع فعلاً—فإن روسيا، وخاصة الصين، ستحتفظ بوجودها في المنطقة. ويمكن اعتبار أن إسرائيل قد هُزمت سياسياً. لكنها لن تتوقف عن حروبها، وقد تواصل في لبنان، وربما تعود إلى غزة أيضاً. والسبب الذي دفع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى رسم «نقاط حدود جديدة» بين تركيا وإسرائيل بأسماء جغرافية في جلسة البرلمان يوم الأربعاء هو هذا بالذات.
إذا انتهت الحرب—مع التأكيد المتكرر على الحذر—فإن المجال سيتسع أكثر للمبادرات التركية تجاه الوعي الإقليمي وإعادة التموقع. ومؤشرات ذلك تظهر في طريقة تقييم السعودية وتركيا ومصر وقطر وباكستان للنص الأمريكي-الإيراني.
انتهاء الحرب سيؤثر أيضاً على قمة الناتو، لكن قبلها هناك اجتماع مجموعة السبع الأسبوع المقبل. سيتم بحث ملفي إيران والناتو في جلسات مغلقة. وإذا أمكن تشكيل لغة مشتركة، فستنعكس على أنقرة. (ستُعقد قمة مجموعة السبع في الألب الفرنسية، في إفيان، على بعد ساعة من جنيف، حيث يُقال إن الاتفاق الإيراني-الأمريكي سيُوقّع هناك).
في المحصلة، نحن أمام عملية سلام هشة، حيّة، وقابلة للكسر. وإذا نجحت، فالمسألة الأهم التي يجب التفكير بها هي أن مرحلة الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب ستكون قد اكتملت، وستبدأ مرحلة جديدة. يمكن تسميتها «مرحلة ما قبل التطور». لكن هذا العام قد انتهى. وستكون الكلفة الاقتصادية أكثر إرهاقاً للجميع.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













