
ياسين أقطاي - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس
على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب التي بدأت بهجمات الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، فإن إسرائيل تواصل هجماتها وتفرض ذلك باعتباره حقاً طبيعياً. وفي المقابل، بينما تفاخر ترامب بأنه نجح في فرض وقف إطلاق النار، فإنه اعتبر استمرار الهجمات الإسرائيلية جزءاً من طبيعة الأمور، وبذلك قام بتطبيع هذا “الحق” وفق رؤيته.
لكن عندما أسقطت إيران مروحية أمريكية، اعتبر ترامب ذلك خارج “طبيعة الأمور”، وبدأ هجوماً واسعاً على إيران بذريعة “حق الرد”. وهكذا تبيّن مجدداً مدى الإفراط في القوة، وغياب القواعد، وعدم موثوقية الولايات المتحدة وإسرائيل.
هذا هو وضعهم، وقد فهمناه. لكن ماذا عن حقيقة أن إيران، في كل مرة تتعرض فيها لهجوم أمريكي أو إسرائيلي، يكون رد فعلها الأول استهداف إحدى دول الخليج؟
فقد استهدفت إيران، عقب الهجوم الإسرائيلي الأخير، مطار الكويت. ولم يكن هناك لا طائرات أمريكية ولا قوات أمريكية هناك. فما الذي كانت إيران تتوقعه أو تحسبه من ضرب الكويت؟ هل تتوقع أن تمارس الكويت أو غيرها من دول الخليج ضغطاً على الولايات المتحدة لإيقاف الهجمات على إيران؟ وهل تملك الكويت أو غيرها من دول الخليج مثل هذا التأثير على الولايات المتحدة وإسرائيل؟
بل إن الأهداف في البداية لم تكن كما أُعلن عنها قواعد أمريكية. ولو كان الهدف فعلاً القواعد الأمريكية، فهناك أسطول أمريكي ظاهر كأهداف مباشرة. لكن معظم الهجمات لم تعد تُشن من القواعد في دول الخليج بل من مواقع أخرى، أو بشكل مباشر ضد إسرائيل نفسها.
في البداية كان من المفهوم أن تستهدف إيران القواعد الأمريكية في دول الخليج، لكن يبدو تدريجياً أن هذه القواعد تحولت إلى ذريعة لضرب هذه الدول نفسها. فإيران لا تضرب القواعد الأمريكية في الخليج، بل تضرب دول الخليج نفسها.
إن الحروب لا تُقيّم فقط بمنطقها العسكري، بل بنتائجها السياسية أيضاً. فاستهداف هدف ما لا يعني دائماً تحييده استراتيجياً. ومن أهم الحقائق التي أظهرتها الحرب الأخيرة أن استهداف إيران لدول الخليج لم يحقق لإسرائيل ضرراً يُذكر، كما لم يحقق لإيران مكاسب دائمة.
بل على العكس، فإن هذه الاستراتيجية قد تصب في مصلحة إسرائيل على المدى الطويل.
ذلك أن النقطة الأساسية التي يتم تجاهلها هي التالية: قطر والكويت وعُمان، وحتى السعودية في السنوات الأخيرة، ليست أطرافاً تقف إلى جانب إسرائيل في الصراع بينها وبين إيران. فمع أن هذه الدول لم تقدم الدعم المطلوب لغزة خلال حرب غزة، إلا أنها عبّرت بوضوح عن انتقاداتها لإسرائيل، وراعت حساسيات الرأي العام العربي تجاه القضية الفلسطينية، وسعت دبلوماسياً لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
الكويت لا تزال حتى اليوم لا تربطها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
قطر كانت في قلب الوساطة بين حماس والغرب في ملف غزة، وظلت من أبرز المنتقدين لإسرائيل.
عُمان تقوم منذ سنوات بدور الوسيط بين إيران والغرب.
أما السعودية فقد اتخذت خطوات مهمة نحو تطبيع العلاقات مع إيران في السنوات الأخيرة.
في ضوء ذلك، يطرح السؤال نفسه: من الذي تعاقبه إيران فعلياً؟ إسرائيل أم جيرانها الذين يحاولون البقاء على الحياد أو حتى يتخذون مواقف نقدية من إسرائيل؟
الإجابة على هذا السؤال تكمن في النتائج السياسية للحرب. فالهجمات الإيرانية على الخليج لم تُضعف آلية صنع القرار الإسرائيلي، ولم تُنهِ تفوقه الجوي، ولم توقف عملياته العسكرية، ولم تُضيّق هامش حركته الدولية.
في المقابل، زادت من الشعور بالتهديد تجاه إيران في عواصم الخليج. أي أن النتيجة لم تكن إضعاف العدو، بل إبعاد الجيران. وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية.
فإيران، وهي تقاتل إسرائيل، تخاطر عملياً بإنتاج النتيجة التي تسعى إسرائيل إليها منذ سنوات. إذ إن أحد الأهداف الأساسية لاستراتيجية إسرائيل الإقليمية طويلة المدى هو بناء تصور أمني مشترك مع دول الخليج العربية. وبعبارة أخرى، تحاول إسرائيل منذ فترة طويلة إيصال رسالة مفادها: «أنا لست مشكلتكم، بل إيران هي التهديد الحقيقي».
هذه السردية لم تجد قبولاً واسعاً لسنوات طويلة بسبب القضية الفلسطينية وسياسات الاحتلال الإسرائيلية. لكن الهجمات الإيرانية على دول الخليج تمنح هذه السردية، من دون قصد، مادة جديدة. فكل صاروخ يسقط على قطر أو الكويت أو البحرين يعزز فكرة «التهديد المشترك» التي تحاول إسرائيل ترسيخها منذ سنوات.
والأهم من ذلك أن هذا الوضع يدفع دول الخليج نحو مزيد من البحث عن الأمن. وبما أن البنية الأمنية في المنطقة لا تزال تعتمد إلى حد كبير على الحماية الأمريكية، فإن النتيجة الطبيعية لهذا البحث هي الاقتراب أكثر من واشنطن، وبالتالي من التعاون الأمني مع إسرائيل بشكل غير مباشر.
ولهذا فإن أكبر مأزق في استراتيجية إيران تجاه الخليج ليس عسكرياً بل سياسياً. إذ إن طهران ما زالت تقرأ المنطقة ضمن ثنائية مبسطة: «المحور الأمريكي» مقابل «محور المقاومة». ووفق هذا التصور، تُعتبر كل دولة تحتوي على قواعد أمريكية في معسكر العدو بغض النظر عن نواياها.
لكن الواقع في الشرق الأوسط أكثر تعقيداً بكثير. فليس قطر هي إسرائيل، ولا الكويت هي حكومة نتنياهو، ولا عُمان هي شريك استراتيجي لتل أبيب. أما الإمارات العربية المتحدة فلا حاجة للحديث عنها، فهي حالة خاصة.
هذه الدول تتحرك وفق حسابات أمنية واقتصادية واجتماعية خاصة بها. ولذلك فإن استهداف القواعد الأمريكية على أراضيها لا يعني إلحاق ضرر بإسرائيل، كما لا يحقق نتائج استراتيجية حقيقية ضد الولايات المتحدة نفسها. بل على العكس، غالباً ما تنتج هذه الهجمات النتائج التي تسعى إسرائيل إليها.
ربما يكمن وراء إصرار إيران على هذه الاستراتيجية منطق نفسي أو أيديولوجي أكثر منه عسكرياً. فعندما تعجز عن ضرب واشنطن أو تل أبيب مباشرة، تعتقد أنها تحقق توازناً عبر استهداف الشبكة العسكرية الأمريكية في المنطقة.
لكن الفارق الكبير بين الإشباع الرمزي والنجاح الاستراتيجي يؤدي إلى تعميق خسائر إيران وخسائر الشعوب الإسلامية في المنطقة.
فالنجاح الاستراتيجي يُقاس بتقليص أصدقاء العدو وعزله. لكن ما يظهر من الحرب الأخيرة هو العكس تماماً. فبعض خطوات إيران لم تعزل إسرائيل، بل دفعت دول الخليج إلى الابتعاد أكثر عنها.
وفوق ذلك، هناك تكلفة أخرى. فعملية التطبيع التي شهدتها السنوات الأخيرة مع دول الخليج، وخاصة السعودية، كانت ربما أحد أهم المكاسب الدبلوماسية لإيران. وقد وفرت هذه العملية فرصة لتخفيف التوترات وبناء توازن إقليمي جديد.
اليوم، كل خطوة تعيد رفع مستوى المخاوف الأمنية لدى دول الخليج تُضعف هذا الأساس الدبلوماسي الذي بنته إيران نفسها.
إن استهداف قطر أو الكويت أو البحرين بدلاً من مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل مباشرة قد يكون أسهل تكتيكياً، لكنه لا يؤذي واشنطن ولا تل أبيب، بل على العكس يرضيهما، بينما يدفع الثمن الحقيقي المسلمون أنفسهم.
وهكذا، فإن إيران عبر استهدافها للجيران بدلاً من العدو المباشر، تخدم عملياً البنية التي تحاول التيارات الصهيونية بناؤها منذ سنوات في المنطقة.
وهذا هو التناقض الأكبر في الاستراتيجية الإيرانية تجاه الخليج:
أنها، وهي تحاول معاقبة إسرائيل، تخاطر في الواقع بإنتاج ما تحتاجه إسرائيل أكثر من أي شيء آخر.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













