سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

تقدّم حرب الخليج مشهداً مسدوداً بكل أبعاده. أما مسألة كيفية حلّها، فقد أصبحت تسير نحو قدر بالغ من الغموض. ويمكننا بكل أريحية القول إن هذه الحرب حرب غريبة.

يمكننا القول إن جميع الأطراف في ساحة المعركة قد أُصيبت بجروح بالغة. غير أن طبيعة هذه الجروح تختلف كثيراً من طرف إلى آخر. فإيران ودول الخليج وإسرائيل تعرّضت لضربات قاسية. وحجم الدمار مرتفع للغاية في كل مكان. أما الجيش الأمريكي، فهو يعيش فشلاً ذريعاً بالنظر إلى القوة التي حشدها في تلك الجغرافيا عبر استنزاف قدرته العالمية. فقد خسر طائراته ومروحياته، كما تعرّضت عشرات قواعده لإصابات بالغة. وهم يخفون ذلك، لكننا نرى أن هناك خسائر عسكرية لا يُستهان بها. ومع ذلك، لم يحقق أيّاً مما أراده.

وعندما نخرج من ساحة المعركة وننظر إلى المسألة وفق معايير أخرى، نرى أن الطرف الوحيد الخاسر هو الولايات المتحدة لا غير. ويمكننا الحديث عن انتصار إيراني واضح وفق هذه المعايير. فالتفوق المعنوي انتقل بالكامل إلى إيران. كما يبدو أن منظومة القيم التي لجأت إليها الولايات المتحدة وإسرائيل قد خسرت تماماً. ولم يبقَ أثر للصورة التي جرى تسويقها للرأي العام العالمي عن النظام الإيراني المستبد والمتعصب دينياً والطاغي. ولم يعد هناك من يشتري مشروع تحويل إيران إلى «إيران ديمقراطية معاصرة». وأظن أن تسمية ترامب للعملية التي أعلن عنها لإنقاذ السفن في هرمز، لكنه لم يجرؤ أبداً على تنفيذها، باسم «عملية الحرية» قد أضحكت الجميع. ففي نظر الرأي العام العالمي الذي لا يزال يحتفظ بشيء من الضمير، تُعتبر إيران بلداً مظلوماً تعرّض لعدوان إمبريالي. والعالم الكاثوليكي، وعلى رأسه إسبانيا وأمريكا اللاتينية، بات يقف تقريباً بالكامل إلى جانب إيران. أما مصداقية الولايات المتحدة وهيبتها، فقد أصبحتا في الحضيض. وهي تعيش عزلة عميقة، فيما تركتها أوروبا وحلف الناتو لمصيرها.

وحال إسرائيل لا يختلف عن ذلك. فنحن نشهد تضخماً هائلاً في موجة المشاعر المعادية للصهيونية التي بدأت مع إبادة غزة، ثم اتسعت إلى أقصى الحدود بعد الحرب الإيرانية. ويكفي إلقاء نظرة على نوعية المعاملة التي يتعرض لها السياح الإسرائيليون في العالم لفهم ذلك. فصورة «اليهودي المظلوم والبريء» تنهار بسرعة. كما أن مئات الآلاف من الإسرائيليين المقتدرين مالياً غادروا إسرائيل بالفعل. والجميع يدرك أن إسرائيل كانت طرفاً في الحرب الإيرانية، بل كانت الطرف المحرّض. لكن موقفها في مرحلة وقف إطلاق النار يلفت الانتباه كثيراً. فهم لا يتقدمون إلى الواجهة أبداً. وخلاصة القول، يبدو أنهم يسعون إلى محو الانطباع بأنهم طرف في هذه الحرب، وتحويلها إلى حرب أمريكية–إيرانية. أما الحرب التي يخوضونها في لبنان، فهي تتحول يوماً بعد يوم إلى فشل كامل. والرأي العام في كلا البلدين يُساق نحو فوضى عارمة، فيما تتعمق الانقسامات السياسية إلى أقصى حد.

نعم، يمكننا الآن أن نزعم بسهولة أن شعار «جعل الولايات المتحدة عظيمة مجدداً» انتهى بعزلة الولايات المتحدة التي تعثر جيشها، وبولادة موجة كراهية كبرى ضدها. حتى قسم لا يُستهان به من الكتلة التي صوّتت لترامب بات يهاجمه بعنف. أما الرأي العام الأمريكي، الذي يدفع الفاتورة الاقتصادية للحرب ويُعاقَب مقابل ذلك بالبطالة والتضخم، فقد بدأ يسحب البساط من تحت قدمي ترامب. وقد يحدث ذلك قبل ذلك، لكنني أعتقد أن ترامب سيُطاح به في أقصى تقدير بحلول نوفمبر/تشرين الثاني. وأتوقع أن القائد والفريق اللذين سيخلفانه سيطالبان نتنياهو بثمن ما جرى. أما إسرائيل، التي وصلت فيها المساندة الأمريكية إلى الحضيض، فلا أظن أنها ستكون قادرة في المرحلة الجديدة على التصرّف بالتهور نفسه كما في السابق. وبالطبع، فإن هذا الانتقال لن يعيد الولايات المتحدة إلى موقعها القديم. فالهيمنة الأمريكية ستخرج من هذه المغامرة مثخنة بالجراح. لكنني أعتقد أن هذه الجروح، التي لا تقبل العلاج، ستتفاقم مع الزمن وتنتشر في جسد دولة رعاة البقر هذه بأكمله.

وعندما أحاول النظر إلى المشهد بعدسة أوسع، فإن ما أراه، وإن لم يكن واضحاً تماماً، يدفعني إلى التفكير بأمور أخرى. فهل يمكن أن تكون بعض الاحتكارات التي جعلت الولايات المتحدة قوة عملاقة قد بدأت تتخلى عنها؟ وهل يمكن أن تكون هذه الاحتكارات، التي صنعت الولايات المتحدة، قد قررت إخراجها من حساباتها؟ قد تبدو هذه الأسئلة متناقضة في البداية، لكن إذا وُضعت بعناية ضمن سياقاتها، فسيتبين أنه لا ينبغي الاستهانة بها.

ولأجل ذلك، سيكون من المفيد النظر عن قرب إلى العلاقة بين الدولار والولايات المتحدة. فإذا نظرنا إلى الرموز والتعابير التي تستحضر الولايات المتحدة والمطبوعة عليه، واعتبرنا بناءً على ذلك أنه «العملة الوطنية الأمريكية»، فلن نكون قد فهمنا الثقل الحقيقي للسؤال المطروح أعلاه. فالدولار الأمريكي، وإن أعطى هذا الانطباع، ليس في جوهره ملكاً للولايات المتحدة. فهذه الأموال لا وطن لها ولا دولة. ويمكننا فهم ذلك بسهولة إذا نظرنا إلى حركة التراكم المالي. فقد كانت إيطاليا وإسبانيا وهولندا وفرنسا والمملكة المتحدة في أزمنة مختلفة مراكز للرساميل المالية. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح المركز الجديد هو الولايات المتحدة، وتحول الاسم أو النوع من الجنيه الإسترليني إلى الدولار، لكن ذلك لا يفقده ثقله النوعي. ولعل التاريخ لم يشهد شيئاً يغيّر هويته بسهولة مثل المال. ولدينا بعض المعايير لتتبع حركة المال. أولاً، يتجه المال إلى حيث تكون القوى الإنتاجية، إضافة إلى حجم الإنتاج، في أعلى مستوياتهما. وهذا هو المعيار الأول. أما المعيار الثاني، فليس القانون الليبرالي كما يظن البعض، بل وجود هياكل دولية مؤسساتية قوية. وأخيراً، تشكل الجيوش القوية الركيزة الثالثة. ووفق هذه المعايير، فإن المقارنة بين الولايات المتحدة والصين تكشف كل شيء. فالولايات المتحدة التي بدأ انهيار قدرتها الإنتاجية منذ سبعينيات القرن الماضي، استطاعت تعويض موقعها الهيمني لفترة عبر الحفاظ على تفوقها التكنولوجي. لكنها فقدت ذلك أيضاً خلال العقود الأخيرة. ولم يبقَ لديها سوى قوتها العسكرية. وقد خسرت هذه أيضاً في الحرب الإيرانية. ولذلك فإن انهيارها بات أمراً لا مفر منه. والاحتكارات المالية تستعد لمغادرة الولايات المتحدة، بما يشمل تحوّلها الخاص ضمن محور التكنولوجيا الجديدة. لقد جهّزوا حقائبهم. وهم يغادرون الولايات المتحدة تاركين وراءهم حطاماً. وفي البداية، فُتح الطريق أمام النظام الأمريكي المؤسسي وجيشه، اللذين خرجا عن السيطرة أو جرى إخراجهما عنها بعقلية صهيونية يمينية متطرفة. وتم تحقيق انتصارات سهلة له. ثم جرى سحبه ببطء إلى المستنقع. وكانت إيران هي الفصل الأخير بالنسبة للولايات المتحدة. أما ترامب وشركاؤه، فقد كانوا خير من يناسب هذا الفصل المخزي الأخير. والشيء الوحيد الذي يمكن قوله عن أداء ترامب هو أنه لو سُئل: من سيكون أقوى مرشح لرئاسة تُلحق أكبر ضرر بالولايات المتحدة؟ لكانت الإجابة المطابقة تماماً هي ترامب نفسه. ويبدو أن مدة صلاحيته تنتهي هذه الأيام. وسيُرمى هو وشركاؤه في سلة المهملات بعد سحقهم. أما ظهور المملكة المتحدة على المسرح، فهو في الحقيقة ظهور «سيتي أوف لندن». وهذا ما بدا لي أنه سيكون عليه المشهد في نهاية المطاف.. وهو استنتاج لا ينبغي الاستخفاف به، بل يجب بالتأكيد التعمق فيه بدقة بالغة…

 

عن الكاتب

سليمان سيفي أوغون

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس