محمود عثمان - خاص ترك برس

مع اقتراب موعد الاستفتاء الشعبي على التغييرات الدستورية في تركيا , يبدو طبيعيا ملاحظة ارتفاع وتيرة التجاذبات والاستقطابات السياسية . خصوصا وأن هذه التغييرات سوف ستفضي إلى تغيير جذري وحقيقي ليس على شكل النظام السياسي وحسب , بل على طبيعة ومسار ومستقبل الحياة السياسية في تركيا . من هنا تأتي الأهمية الاستثنائية للاستفتاء المزمع عقده في السادس عشر من شهر نيسان / أبريل المقبل . حيث بات في حكم المؤكد أنه لن يكون كسابقيه من الاستحقاقات السياسية !.

الطبيعي و المعتاد أن تجري الحملات والمعارك الانتخابية على الأراضي التركية أمام جماهير الشعب التركي . بين قطبين يمثل الحزب الحاكم أحدهما , بينما تمثل بقية أحزاب المعارضة قطبها الآخر . هذه المرة يبدو الأمر مختلفاً كلياً عن بقية الاستحقاقات السابقة . فلا الاصطفاف نفسه , ولا ميدان الصراع عينه . الفرقاء مختلفون هذه المرة , كما أن ساحة الصراع خارجية لا داخلية ..

هذه المرة لا يقف الحزب الحاكم حزب العدالة والتنمية لوحده , إنما يصطف بجانبه حزب الحركة القومي . مقابلهما في الجهة الأخرى يصطف مع حزب الشعب الجمهوري , كل من حزب الشعوب الديمقراطي ( الكردي ) الذي ضرره أكثر من نفعه في مثل هذا الاستفتاء . و لفيف من أحزاب سياسية صغيرة لا طاقة لها ولا قدرة على تغيير النتيجة.

أكثر من ذلك فقد تقدم حزب الحركة القومي باقتراح إلى حزب العدالة والتنمية بتنظيم نشاطات الحملة الانتخابية سوية . بل إن رئيس حزب الحركة القومي عبر عن استعداده لمرافقة الرئيس رجب طيب أردوغان إن هو عزم على الذهاب لأوربا من أجل حشد دعم المغتربين الأتراك لصالح الاستفتاء على التغيير الدستوري .

إذا أضفنا إلى الحملة الانتخابية القوية والمؤثرة التي أطلقها معسكر " نعم " الذي يقوده الرئيس رجب طيب أردوغان , ويضم إلى جانب حزب العدالة والتنمية , وحزب الحركة القومي , عدداً كبيراً من منظمات المجتمع المدني , وكما معتبراً من النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي , الذين يعملون مثل خلية نحل .

في الطرف المقابل نرى أداء رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال قلجدار أوغلو هزيلاً . حتى إن أخطاءه وسقطاته أضحت موضع تندر وسخرية !. كما نلاحظ ضعف حملته شكلا وفقرها مضمونا . فقد اعتمدت على إثارة الخوف و الشبهات لدى المواطن , دون تبيان أخطاء وسلبيات التغييرات المزمعة , أو طرح بديل عنها . مما أثار مخاوف حقيقية لدى الأطراف الداخلية والخارجية , التي سوف تفقد ميزة التدخل في الحياة السياسة في تركيا, في حالة رجحان كفة "نعم " . حيث تشير التقديرات واستطلاعات الرأي إلى قبول التغييرات الدستورية بفارق كبير , وبنسبة قد تفاجئ الجميع .

ولأن الاصطفاف السياسي داخل تركيا محسوم إلى حد كبير فقد برزت أهمية أصوات الناخبين الأتراك في المهجر , أوربا عموما وألمانيا على وجه الخصوص , حيث تقيم جالية تركية ضخمة تزيد على مليوني نسمة .

ولأن ألمانيا لا تريد المواجهة المباشرة مع تركيا لاعتبارات كثيرة . ولأن للسيدة أنجيلا ميركل حسابات حساسة , حيث الانتخابات في ألمانيا على الأبواب . ميركل لا تستطيع المخاطرة بأصوات اليمين الألماني الذي لا يكن المحبة لتركيا والأتراك من جهة , ولا تريد خسارة أصوات المواطنين الألمان من أصول تركية من جهة ثانية . لذا فقد أسندت المهمة لهولندا البلد الأوربي الأصغر , وصاحب العلاقات الأقل مع تركيا . حيث المعادلة حساسة جدا بالنسبة لميركل . فإن هي أفسحت المجال لحزب العدالة والتنمية ليقوم بنشاطه الانتخابية , فسوف تخسر مرتين , مرة بفوز معسكر نعم التي تقف ضده بقوة وحزم , ومرة أخرى عندما يتهمها القوميون الألمان بالتراخي والتراجع أمام الأتراك !.

لماذا يعارض الأوربيون التغييرات الدستورية في تركيا ؟

ثمة أسباب عديد تدفع الأوربيين إلى معارضة التغييرات الدستورية في تركيا منها ما مفهوم , ومنها ما يمكنه تصنيفه تدخلا سافراً في الشؤون الداخلية لتركيا . نجمل بعضا من هذه الأسباب

باستثناء فرنسا , فإن شكل النظام السياسي في أوربا برلماني . ولذلك كان من الطبيعي جدا أن تعارض الدول الأوربية تحول تركيا نحو النظام الرئاسي . خصوصا وأن تركيا دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوربي.
في الذاكرة الأوربية تركيا دولة وظيفية , تؤدي مهمة حائط الصد , ومخفرا متقدما للغرب , ضد المعسكر الشرقي الروسي سابقاً , وحالياً تجاه المشاكل والمخاطر القادمة من منطقة الشرق الأوسط المضطربة . مقابل بعض الامتيازات و الشراكات الاستراتيجية مع أوربا .
في العقل الأوربي تركيا دولة مهمة , ويجب أن تبقى قوية بالقدر الذي يمكنها من أداء دورها الوظيفي فقط . وبالتالي يجب أن تبقى تحت السيطرة . وهذا يفسر دعم الدول الأوربية الرئيسية ألمانيا وفرنسا وبلجيكا لحزب العمال الكردستاني بشكل شبه علني .
تركيا ما بعد حكم العدالة والتنمية تسعى إلى الخروج من ربقة الدور الوظيفي المكبل , إلى انتهاج سياسة مستقلة تضع مصالحها فوق كل اعتبار.
بعد دخولها نادي العشرين , ترى تركيا نفسها قوة إقليمية قادرة على لعب دور حيوي في السياسة الدولية . وليست مجرد تابع للمعسكر الغربي.
فيما يتيح النظام البرلماني فرصة تدخل القوى الداخلية والخارجية في السياسة , يغلق النظام الرئاسي الباب أمام هذه القوى . وبالتالي فإن إقرار التعديلات الدستورية يعني حرمان الأوربيين من فرص التدخل في الحياة السياسية في تركيا.
لا يفتأ الرئيس أردوغان يذكر الدول الغربية بأن تركيا الحديثة تختلف عن تركيا القديمة . تركيا الحديثة تستطيع قول لا , بينما تركيا القديمة لم تكن قادرة على الاعتراض.

لماذا التصعيد إلى هذا الحد ؟

الاستقطاب السياسي تكتيك تستخدمه الأحزاب السياسية الكبيرة لجذب أصوات الناخبين المترددين الذين يشكلون عموما بيضة القبان التي ترجح كفة نتائج الانتخابات. حزب العدالة والتنمية ومعه حزب الشعب الجمهوري استخدما تكتيك الاستقطاب السياسي وتسخين الأجواء قبيل جميع الاستحقاقات الانتخابية . وقد تمكنا من استمالة وكسب قطاعات عريضة لم تكن تصوت لها في الحالات العادية .

صحيح أن تركيا بحاجة إلى أوربا ولا تستطيع الابتعاد عنها , وصحيح أن أوربا بحاجة ماسة إلى تركيا ولا تستطيع التفريط فيها . فالطرفان يمارسان تكتيك الاستقطاب ولعبة عض الأصابع . لذا فإن التصعيد ربما ترتفع وتيرته أكثر بقليل لكنه لن يصل إلى القطيعة أو الطلاق البائن . سيضطر الأوربيون إلى خفض حدة التوتر , لأن وتيرته العالية تعطي مبررات أكثر لتوجهات أردوغان نحو بوتين .

أوربا التي نأت بنفسها عن المشاكل والأزمات الدولية ليست في وارد هدم السد الذي يقيها سيول تلك الأزمات .

كالعادة سوف يربح أردوغان الجولة , وسوف تقر التغييرات الدستورية , وسوف يصبح الحكم في تركيا رئاسياً . لكن ليس ببطولة أردوغان وحده . بل بمساعدة أعدائه وخصومه المهرة في استعداء الشعب التركي !.

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب سياسي مختص بالشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس