
ترك برس
تناول مقال للكاتب والإعلامي التركي توران قشلاقجي، في صحيفة القدس العربي، البعد التاريخي والحضاري العميق للعلاقات بين الجزائر وتركيا، بوصفهما امتدادا لذاكرة متوسطية مشتركة تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل الإنساني والثقافي والسياسي.
ينطلق الكاتب من فكرة أن البحر الأبيض المتوسط لم يكن مجرد فضاء جغرافي، بل معبرا للحضارات والأفكار والشعوب، قبل أن يستعرض الروابط الرمزية والتاريخية بين قسنطينة وإسطنبول منذ العهد الروماني، مرورا بالتأثيرات الفكرية والدينية القادمة من شمال أفريقيا إلى القسطنطينية، وصولا إلى الحقبة العثمانية التي عززت التقارب بين الضفتين.
كما يناقش تطور العلاقات الحديثة بين الجزائر وتركيا، والبعد الرمزي والسياسي لزيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى أنقرة، مع التأكيد على أن العلاقة بين البلدين تتجاوز المصالح الآنية إلى شعور تاريخي متجذر بالألفة والانتماء الحضاري المشترك. وفيما يلي نص المقال:
إن اختزال البحر الأبيض المتوسط في كونه مجرد مساحة مائية، يُفقده كثيرا من معناه الحقيقي؛ فهو في جوهره بحرٌ للذاكرة الإنسانية المشتركة، حمل عبر العصور آثار الشعوب التي تعاقبت على ضفافه. فمن ميناء إلى آخر، لم تكن السفن تنقل البضائع وحدها، بل حملت معها اللغات، والأدعية، والأفكار، والعادات، وروح الحضارات المختلفة. ومن بين أعرق محطات هذه الرحلة التاريخية الطويلة تبرز تركيا والجزائر بوصفهما شاهدتين على عمق هذا التواصل. فالعلاقة بين البلدين لا تقتصر على الروابط الدبلوماسية المعاصرة، بل تستند إلى إرث تاريخي ممتد، تتداخل فيه مراحل أواخر العهد الروماني مع الحقبة العثمانية وصولا إلى العلاقات السياسية والثقافية الراهنة. ولعلّ هذا ما يجعل كل خطوة تقارب بين أنقرة والجزائر تبدو وكأنها استعادة لذاكرة صداقة قديمة ظلّت حاضرة عبر القرون.
تأخذنا بدايات هذه الحكاية إلى عهد الإمبراطور الروماني الشرقي قسطنطين الأول، أحد أبرز قادة عالم روما الشرقية الذي يُعرف في الأدبيات الغربية باسم «العالم البيزنطي». فقد أسّس هذا الإمبراطور مدينتين عظيمتين حملتا اسمه؛ إحداهما في شمال افريقيا، وهي قسنطينة التي ما تزال إلى اليوم من أهم المدن الجزائرية، والأخرى في الأناضول، وهي إسطنبول التي عُرفت لقرون طويلة باسم القسطنطينية.
ولم تكن قسنطينة، الواقعة شمال شرق الجزائر، مدينة عادية بين المدن، فجسورها المعلّقة فوق الوديان العميقة، وهيئتها التي ترتفع وسط الصخور الوعرة، تمنح الناظر إليها شعورا وكأنه أمام ملحمة منحوتة من الحجر، ولذلك لم يكن غريبا أن تُعرف بأسماء مثل «مدينة الجسور» و»مدينة النسور» و«المدينة الصخرية».
أما إسطنبول، فهي بدورها قلب حضارة أخرى نابضة بالحياة؛ مدينة تستند إلى مياه البوسفور، وظلت عبر العصور، بأسمائها المتعددة مثل القسطنطينية وقسطنطينوبوليس وإسطنبول، نقطة التقاء للحضارات والشعوب، قبل أن تكون مركزا للدول والإمبراطوريات. وتحمل الروايات التاريخية تفاصيل لافتة في هذا السياق؛ إذ يُقال إن قسطنطين، أثناء تأسيس عاصمته الجديدة، استقدم جماعات من السواحل الجنوبية للبحر المتوسط، خاصة من بلاد المغرب، إلى إسطنبول، ولذلك يُروى أن سكان إسطنبول الأوائل كانوا يضمون جماعات مهمة من شمال افريقيا، كان معظمهم من الجزائريين. كما تذكر بعض المصادر أن عددا من رجال الدين والمفكرين الأوائل في المدينة كانوا من أصول مغاربية، بل إن أريوس، الذي يُعدّ في التاريخ المسيحي من أبرز المدافعين عن عقيدة التوحيد، كان من أصول ليبية. وقد قام هذا التيار الفكري على الاعتقاد بأن عيسى ليس إلها، بل عبد الله ورسوله، وهو ما يكشف أن البحر المتوسط لم يكن فضاء للتجارة فقط، بل كان أيضا ساحة لعبور الأفكار والعقائد والتيارات الفكرية.
وبعد قرون طويلة، سار العثمانيون على النهج ذاته في البحر المتوسط. فمع وصول الريس عروج وشقيقه خير الدين بربروس إلى الجزائر سنة 1516، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة أكثر عمقا. ولم تكن الدولة العثمانية مجرد قوة عسكرية فحسب، بل أسست نظاما حضاريا متكاملا في المتوسط عبر موانئها ومدارسها وأسواقها وأوقافها وثقافتها العمرانية. وحتى يومنا هذا، فإن الآثار العثمانية الحاضرة في شوارع الجزائر، وأوجه الشبه التي تُستشعر في أحياء إسطنبول القديمة، ما هي إلا انعكاس لذاكرة حضارية واحدة تركت بصمتها على ضفتي المتوسط. ومن هنا، فإن العبارة التي أطلقها الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة قبل سنوات، حين دعا إلى تشكيل «الكومنولث العثماني»، ينبغي أن لا تُقرأ بوصفها مجرد طرح اقتصادي أو سياسي. فقد حملت تلك الكلمات شيئا من الحنين إلى التاريخ، وشيئا من استحضار الذاكرة المشتركة، ورغبة في استعادة التقارب القديم بين الشعبين. فالعلاقة بين تركيا والجزائر لم تتشكل فقط عبر الاتفاقيات الرسمية، بل تأسست أيضا على شعور متجذر بالألفة والتقارب الإنساني بين المجتمعين.
وجاءت الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون إلى تركيا لتبدو وكأنها صفحة جديدة تُضاف إلى هذه الحكاية الممتدة عبر القرون. فقد استقبل الرئيس رجب طيب أردوغان نظيره الجزائري بمراسم رسمية، وشهدت الزيارة انعقاد اجتماعات مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، التي نقلت العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. كما تم توقيع أربع عشرة اتفاقية جديدة في مجالات الطاقة، والصناعات الدفاعية، والاقتصاد، والمقاولات، مع التطلع إلى رفع حجم التبادل التجاري إلى عشرة مليارات دولار. ومع ذلك، فإن أهمية هذه الزيارة لا تكمن في الجانب الاقتصادي وحده، بل في كونها تقاربا جديدا بين ذاكرتين عريقتين تنتميان إلى البحر المتوسط ذاته.
وبطبيعة الحال، لم تكن العلاقات بين البلدين دائما خالية من التعقيدات. فخلال مرحلة استقلال الجزائر، ظل الموقف الرسمي التركي موضع نقاش وانتقاد لسنوات طويلة. غير أن بعض الحقائق التي ظهرت لاحقا كشفت عن جانب آخر من روح الأخوة التي كانت قائمة بعيدا عن الأضواء. فقد تحدث ألب أرسلان توركش، أحد أبرز القادة العسكريين والسياسيين الأتراك ومؤسس حزب الحركة القومية، قبيل وفاته عن الدعم السري الذي قدمته تركيا للثورة الجزائرية. وقال في شهادته التاريخية: «خلال نضال الجزائر من أجل الاستقلال، قمنا بإرسال السلاح سرا إلى إخواننا الجزائريين، لكن العالم ما كان يعلم بذلك. والجزائريون أنفسهم ما كانوا يعرفون حجم هذا الدعم. فقد أُرسلت عشرون ألف بندقية ومئتا مدفع عبر ليبيا التي كانت آنذاك تحت حكم الشيخ إدريس السنوسي، وتم إيصال هذه المساعدات من خلاله».
واليوم، حين ننظر إلى هذا التاريخ الطويل، ندرك بصورة أوضح أن العلاقة بين تركيا والجزائر لا يمكن اختزالها في إطار التقارب الدبلوماسي بين دولتين فقط. إنها علاقة ذاكرة مشتركة يتردد صداها على ضفتي البحر المتوسط؛ ذاكرة تجمع بين مدن تطل على البحر نفسه، وشعوب عاشت تجارب وآلاما متشابهة، وأناس نشأوا في المناخ الحضاري ذاته.
ولعل ما ينبغي القيام به اليوم هو إعادة إحياء هذه الذاكرة المتوسطية المنسية، من خلال إعلان قسنطينة والقسطنطينية مدينتين شقيقتين بصورة رمزية، بما يعزز أواصر الأخوة الممتدة منذ نحو 1700 عام. أما المهمة الأكثر أهمية التي تقع على عاتق المؤرخين والباحثين، فهي دراسة الآثار التي تركتها شعوب بلاد المغرب، وعلى رأسهم الجزائريون الذين تُروى مشاركتهم بين أوائل سكان إسطنبول، في الذاكرة الثقافية والاجتماعية لهذه المدينة. فالمدن ليست مجرد حجارة وأسوار وشوارع؛ بل قد تتحول أحيانا إلى جسور وجدانية خفية تربط بين شعبين عبر قرون طويلة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











